
تلفزيون سوريا: الأحد, 1 آذار 2026 الساعة 6 صباحاً
لا يمكن لكل هذه الحشودات العسكرية الأميركية، مع ما يرافقها من إنفاق كبير، أن تكون للمناورة. الهدف واضح، لا بل ومعلن: تغيير النظام بالقوة أو تحت ضغط استخدام القوة.
ببساطة، لن يكون النظام الإيراني نفسه بعد فترة قصيرة. فالمنطقة تتغير، واللعب على كسب الوقت الذي احترفه النظام الإيراني مع الديمقراطيين والجمهوريين على حد سواء، لم يعد يجد نفعا في ظل رئاسة دونالد ترامب الثانية.
ذلك أنه، على العكس ممن سبقوه، كان ترامب واضحا في أن لعبة الوقت التي يحترفها الإيرانيون لها ثمن. نعم، يمكنهم أن يماطلوا، لكن شراء الوقت الأميركي لن يكون مجانا. هناك خسائر وأثمان، ولعل اغتيال قاسم سليماني وأبو المهدي المهندس شكّل حينها أول بشائر السياسة الجديدة، وذلك خلال ولاية ترامب الأولى.
في الولاية الثانية، وبعد مقتلة غزة ولبنان، وسقوط نظام الأسد في سوريا، تبلغ الضغوط العسكرية الأميركية والإسرائيلية، على حد سواء، مرحلة الضغوط القصوى. تغيّر وجه المنطقة، وما عادت إيران بمنأى، وانتهى الزمن الذي كان نظام الملالي يقاتل فيه بالدم العربي بعدما حوّل دوله إلى ساحات تديرها الميليشيات الموازية.
في حرب الـ 12 يوما العام الماضي، بدت إيران أوهن من بيت العنكبوت. عشرات الاغتيالات ضمن صفوف كبار القادة العسكريين من الحرس الثوري وفيلق القدس. لا بل إن العديد ممن عُيّنوا كبدائل جرى اغتيالهم أيضا. كان صعبا استيعاب كيف أن اغتيالات بهذا الحجم والسرعة جرت ضد حزب الله في لبنان، لكن الحزب كان محصورا في مناطق جغرافية مكشوفة أو آمنة، لكنها كانت تتضاءل مع الوقت.
لكن كيف حصل ذلك مع دولة تدّعي قيادة المنطقة وتحريك مصيرها والتحكم بأربع عواصم عربية؟ في الواقع، مثّلت حرب الـ 12 يوما منتهى الهشاشة الإيرانية أمام زيف ادعاءات القوة.
اليوم تبدو إيران مجردة من الخيارات والمناورات. فهي أمام رئيس أميركي مصمم على تطبيق رؤيته القائمة على إنهاء النزاعات خدمة للمشاريع الاقتصادية، وهو بالكاد يدخل السنة الثانية من رئاسته الثانية والأخيرة بحسب الدستور الأميركي. ما يعنيه ذلك أنه سيبقى ممسكا بزمام الأمور وبالزخم نفسه حتى اليوم الأخير من ولايته، ولن يتحول إلى "بطة عرجاء" في سنته الأخيرة.
اليوم تبدو إيران مجردة من الخيارات والمناورات. فهي أمام رئيس أميركي مصمم على تطبيق رؤيته القائمة على إنهاء النزاعات خدمة للمشاريع الاقتصادية، وهو بالكاد يدخل السنة الثانية من رئاسته الثانية والأخيرة بحسب الدستور الأميركي
صارت إيران وحيدة في مواجهة الأميركيين. لم تعد تنفع سياسة "حياكة السجاد" و"الذبح بالقطن" التي لطالما تغنى بها وروج لها المحور الإيراني ومريدوه كدلالة على أن الانتصار الإيراني حاصل في نهاية المطاف.
أما الأذرع التي لطالما دعمتها من أجل هز استقرار دول المنطقة وخلق فوضى تستفيد منها إيران لتحكم المنطقة عبر ميليشيات موازية، فقد باتت منهكة: "حماس" تمضي في خطة ترامب في غزة وتحاول الصمود بما أمكن، الحشد الشعبي غير قادر على إيصال المالكي إلى رئاسة الوزراء فكيف باستهداف القواعد الأميركية، والحوثيون يلفهم الصمت.
أما الذراع الأقوى، أي حزب الله في لبنان، فقد بات شبحا لما مضى، وفقد قدرة الردع في لبنان. وبحسب المعلومات، فإنه واجه طلبا إيرانيا بالتدخل والمساندة، لكن ذلك غير ممكن حاليا نتيجة فقدان الموارد المالية والسلاح. بات الحزب، كما إيران، يقاتل دفاعا عن وجوده.
ونعود هنا إلى تصريحات نائب الرئيس الإيراني السابق ورئيس الوفد المفاوض في مباحثات النووي، جواد ظريف، في كانون الأول/ديسمبر 2025، خلال مشاركته في منتدى الدوحة، حين اتهم الأذرع التي خلقتها إيران في المنطقة بالتخاذل، وتساءل: "هل أطلقت أي حركة عربية، الحزب، وحماس، والجهاد الإسلامي، والحكومة السورية، رصاصة واحدة لمساعدة إيران؟"، مضيفا: "أستطيع أن أؤكد أنه خلال الخمسة والأربعين عاما الماضية التي تابعت فيها العلاقات الخارجية الإيرانية، لم تُطلق رصاصة واحدة دفاعا عنا. لقد تعرضنا للهجوم، وعانينا بسبب دعمنا للعرب، لكن لم تُطلق رصاصة واحدة دفاعا عنا، لا ضد إسرائيل ولا ضد أي دولة أخرى".
بالطبع، من يعرف ظريف وقرأ كتابه الأخير "صمود الدبلوماسية"، يعرف أنه لا يوجه نقده إلى الأذرع بقدر ما يشير إلى المغامرات الفاشلة التي انتهجها الحرس الثوري الإيراني، وأودت بإيران إلى الهلاك، وباتت اليوم تواجه وحيدة الحساب الأميركي، فلا أذرع تنفع ولا قطن يُذبح.
المصدر