"قسد" ورهانات لا تنتهي على الخارج



تلفزيون سوريا: الأحد, 1 آذار 2026 الساعة 6 صباحاً

يُعدّ صمود الاتفاق الأخير بين دمشق وقسد حتى الآن مؤشّراً جيّدًا يدعو للتفاؤل، لكنّ المؤشر الآخر الذي يُبدد هذا التفاؤل هو أن الاتفاق لا يزال على أرضية هشّة وغير مستقرة كما أنه مُعرض لاحتمال الانهيار في أيّ لحظة. ولا يرجع ذلك إلى الاتفاق نفسه. فهو واضح البنود والأهداف على غرار الاتفاقيات الأخرى التي تم إبرامها بين الطرفين ولم تنجح، بل إلى قسد نفسها ورهاناتها التي لا تنتهي على الخارج. فعلى الرغم من البيئة الإيجابية التي سادت سوريا بعد إبرام الاتفاق الأخير، بدأت هذه البيئة تتراجع في أعقاب مشاركة قياديي قسد مظلوم عبدي وإلهام أحمد في مؤتمر ميونخ للأمن ولقاءاتهما مع مسؤولي بعض الدول الغربية إلى جانب السيناتور الأميركي ليندسي غراهام المعروف بدعمه الشديد لقسد. فبعض الدول الغربية من ضمنها فرنسا تُقدم نفسها اليوم كراعٍ للحالة الكردية في سوريا والمنطقة بدلاً من الولايات المتحدة، وتطمح إلى تأثير أكبر في سوريا من بوابة علاقتها بالكرد. كما أن مُطالبة قادة قسد مؤخراً بحكم محلي في المناطق الكردية تحت غطاء اللامركزية الإدارية أظهرت حجم العقبات المُحتملة التي يُمكن أن تؤدي إلى انهيار الاتفاق. فهذا الطرح غير موجود أصلاً في بنود اتفاق يناير كانون الثاني، علاوة على أن قسد تُدرك أن دمشق لا يُمكن أن تقبل به على أيّ حال. هناك اعتقادان سائدان ومُكملان لبعضهما البعض. الأول أن قسد رفعت سقفها السياسي بعد وعود تلقتها من مسؤولين غربيين بدعمها مقابل التمسك بطرح مطلب الحكم المحلي للكرد، والثاني وجود انقسام داخل قسد نفسها بين تيارين، الأول يُريد المضي قدماً في تنفيذ الاتفاق مع دمشق لأنه يعتقد أنه الخيار الوحيد المُتاح على الطاولة، والثاني يرى في الاتفاق خسارة لمشروع الحكم الذاتي الكردي ويدفع باتجاه التمسك بهذا المشروع في المناطق ذات الغالبية الكردية. وبمعزل عن الأسباب التي تدفع قسد إلى طرح مطلب الحكم المحلي الكردي، إلّا أن الواضح أن هذا الطرح يتعارض مع الاتفاق الأخير، ما يُثير شكوكاً حول نوايا قسد وما إذا كانت جادّة بالفعل في المضي قدماً في تنفيذ عملية الدمج على أساس البنود التي نص عليها الاتفاق. وبالنسبة لدمشق، التي اختبرت قسد جيداً منذ إبرام اتفاق العاشر من مارس آذار الماضي، فهي تُدرك العوامل المُتعددة المؤثرة في خيارات قسد ومخاطر تعثّر الاتفاق. وفي ضوء ذلك، يُمكن النظر إلى تكليف الرئيس أحمد الشرع للعميد زياد العايش (شخصية عسكرية وليست سياسية) كمبعوث رئاسي لتنفيذ الاتفاق مع قسد على أنه يحمل ثلاث دلالات بارزة، أولها حصر التواصل الرسمي مع قسد بالمبعوث الرئاسي بهدف واحد هو تنفيذ الاتفاق، خصوصًا عملية الدمج الأمني والعسكري، وثانيها قطع الطريق على مساعي قسد لفرض مطالب سياسية جديدة تتجاوز الاتفاق، وثالثها تهميش التدخلات التي تقوم بها بعض الدول الغربية في هذا الملف من بوابة الوساطة، والتي تعمل على إيجاد تعقيدات أمام الاتفاق بدلًا من تسهيل تنفيذه وتحريض قسد على طرح مطلب الحكم المحلي للكرد. لا يكمن الضغط الأكبر الذي يواجه قسد في هذه المرحلة بانقسام الموقف داخلها أو بالحرج الذي تُواجهه أمام الشارع الكردي بعد الإخفاقات الكبيرة التي تعرّض لها مشروعها، بل يتمثل بدرجة أساسية في شروع الولايات المتحدة في الانسحاب العسكري من سوريا. لا يكمن الضغط الأكبر الذي يواجه قسد في هذه المرحلة بانقسام الموقف داخلها أو بالحرج الذي تُواجهه أمام الشارع الكردي بعد الإخفاقات الكبيرة التي تعرّض لها مشروعها، بل يتمثل بدرجة أساسية في شروع الولايات المتحدة في الانسحاب العسكري من سوريا. فالوجود العسكري الأميركي لطالما شكّل شبكة أمان لقسد من الحكومة السورية وتركيا. وتسريع وتيرة الانسحاب وتفكيك الوجود الأميركي في القواعد العسكرية مثل قسرك والتنف، يُرسل رسالة أميركية واضحة لقسد بأن الخيار الوحيد المطروح أمامها على الطاولة هو المضي قدماً في تنفيذ الاتفاق مع دمشق وبأن شبكة الأمان الأميركية لها لم تعد قائمة. كما أن البوصلة الأميركية نحو تمكين حكم الرئيس أحمد الشرع في إعادة توحيد سوريا وفي التعامل مع ملف مكافحة الإرهاب أصبحت واضحة أكثر من أي وقت مضى. لا يُعبر الاتفاق الأخير عن ما كانت تطمح إليه قسد، لكنّ طموحاتها السياسية لم تعد تنسجم أبداً مع الواقع السوري الجديد. فمن جهة، تزداد قوة الرئيس أحمد الشرع وعلاقته بالولايات المتحدة والخارج يوماً بعد آخر. ومن جانب آخر، يُظهر ترامب تصميماً كبيراً على إحداث تحول حاسم في السياسة الأميركية تجاه سوريا وفي بناء علاقة استراتيجية مع دمشق. علاوة على ذلك، فإن عملية الحل الجديدة بين تركيا وحزب العمال الكردستاني تعمل أيضاً كعنصر ضغط إضافي على قسد وخياراتها. مع ذلك، فإن الفرص المتاحة حالياً أمام كرد سوريا كبيرة لا سيما بعد المرسوم التاريخي للشرع بخصوص حقوق المكون الكردي، ويُعد تنفيذ الاتفاق بين قسد ودمشق بوابة لاستثمار هذه الفرص. قد لا تبدو المخاطر التي تواجه الاتفاق في الوقت الحالي كبيرة أو داهمة، لكنّها تُظهر أن رهانات قسد على التدخلات الخارجية لم تنته تماماً وأن عملية بناء الثقة مع دمشق لن تكون يسيرة كما يُصوّرها الاتفاق الأخير.    

المصدر