
تلفزيون سوريا: الأحد, 1 آذار 2026 الساعة 6 صباحاً
تقاس العدالة بقدر ما يستطيع المحامي أن يقول "لا" للسلطة عندما تنحرف. فالمحاماة، في جوهرها تشكل خطّ الدفاع الأخير عن الإنسان. وقد عرفت سوريا هذا المعنى يوم تجرأت نقابة المحامين، مع بقية النقابات المهنية في ثمانينيات القرن الماضي، على إصدار بيانها الشهير الذي طالب برفع حالة الطوارئ ووقف الاعتقال التعسفي واحترام استقلال القضاء والنقابات، فدفعَت ثمنه غالياً، حيث تم حلها ومجالس فروعها واعتقال عدد من قياداتها.
منذ ذلك اليوم، بدأ مسارٌ معاكس حوّل النقابة من صوتٍ في وجه الاستبداد إلى أداةٍ في يده، لتتراجع مهنة المحاماة من موقع "الملاذ للمقهورين" إلى مهنة محاصَرة بنقابة مصادَرة. من هنا ينبع سؤال هذا المقال: كيف تحولت نقابة المحامين من حارس للحق إلى واجهة للسلطة، وهل يمكن أن تستعيد دورها بعد الخلاص من نظام الأسد؟
النقابة في عهد الأسد.. تحولت إلى تابع
مع سيطرة البعث والأسد على الدولة والمجتمع، تحولت النقابات المهنية، وعلى رأسها نقابة المحامين، من فضاءاتٍ مستقلة، إلى مجرد كيانات تابعة للسلطة، وصارت تُدار بالتوجيهات السياسية والأمنية، وتُستعمَل لضبط المنتسبين لها بدل حماية استقلالهم، وتحولت مجالسها إلى واجهات شكلية تنفذ ما يأتيها من السلطة.
في هذا المناخ الاستبدادي، تراجعت النقابة عن دورها كدرع للمحامين، وأسهم صمتها وأحياناً بمشاركتها في تركهم مكشوفين أمام القمع. عشرات المحامين اعتُقلوا بسبب آرائهم أو مواقفهم، وآخرون قضَوا تحت التعذيب، من دون أن يصدر موقف منها يرقى إلى مستوى الكارثة، ولم تطالب بتحقيق، ولم تدافع عن كرامة أعضائها. هذا الصمت جعلها شريكاً في القمع لا ضحية له، وأرسل إشارة واضحة لكل من يفكّر في الاعتراض: أنت وحدك.
هذه السيطرة الطويلة لم تكمّم صوت النقابة فحسب، بل ضربت قلب المهنة من الداخل. فمع نقابة لا تملك قرارها غابت المحاسبة، وتآكلت معايير المهنة، وصار المسيء أقوى من القانون، بينما يدفع الشريف ثمن موقفه. وتراجع التدريب والتأهيل، واتّسعت بوابة القبول بلا ضوابط، فدخل المهنة كثيرون بلا إعداد ولا ثقافة قانونية راسخة، فتراجعت جودة المرافعات واهتزّت ثقة الناس بالمحاماة، حتى أصبحت النقابة نفسها بحاجة إلى من يدافع عنها.
ولم يكن مفاجئاً، في ظل هذا الواقع المختل، أن يظهر نمط من المحامين تخلّى عن قسمه واستغلّ مآسي الناس — وخاصة مأساة المعتقلين — طلباً للمال، مستفيداً من نقابة لا تحاسب وسلطة لا تحترم المهنة. ومع ذلك، بقيت قلّة من المحامين القابضين على الجمر أثبتوا بسلوكهم أن العطب في البنية لا في شرف المحاماة.
بعد سقوط نظام الأسد.. أمل كبير وخيبة أكبر
بعد سقوط نظام الأسد ومجيء سلطة جديدة، راود المحامين أملٌ بأن تعود النقابة إلى أصحابها الطبيعيين، وأن تستعيد دورها كمنبر حرّ لا كذراع للسلطة. كان التصوّر أن سقوط القبضة الأمنية عن النقابات سيعني تلقائياً ولادة نقابات مستقلة، منتخَبة، تعبّر عن هموم المهنة لا عن تعليمات وتوجيهات الحكومة الجديدة.
لكن ما جرى عملياً بعد مرور عام وثلاثة أشهر مضت على الحكم الجديد لم يختلف كثيراً عمّا كان سائداً في عهد الأسد المخلوع . حيث تم حلّ مجلس النقابة وفروعها كما في بقية النقابات وتعيين مجالس بديلة بقرارات من الأمانة العامة للشؤون السياسية التي شكلها وزير الخارجية، وكأننا أمام مشهد مكرر لما كانت تفعله القيادة القطرية لحب البعث المنحل، في خطوة أعادت إلى الذاكرة المثل الشعبي: «تيتي تيتي… مطرح ما رحتي جيتي». تغيّر الاسم، وبقي النهج ذاته لتجد النقابة نفسها، مرة أخرى، أقرب إلى دائرة حكومية منها إلى بيت مستقل لأهل المهنة، وعاد المحامون إلى النقطة التي ظنّوا أنهم تجاوزوها.
إنقاذ مهنة المحاماة يبدأ من استعادة استقلال النقابة
أي حديث عن إصلاح المهنة يبقى وهماً ما لم يُستعاد أولاً استقلال النقابة. فالنقابة ليست دائرة حكومية، بل هي بيتٌ مهني يجب أن يُدار بإرادة المحامين أنفسهم، عبر انتخابات حرة، وقرارات تصنعها مجالس الفروع لا المكاتب الأمنية أو القرارات السياسية. من دون هذا الاستقلال المؤسسي، ستظل كل محاولة لرفع مستوى المهنة أو محاسبة الفاسدين تصطدم بسقف سياسي منخفض، يمنع النقابة من أن تقوم بدورها الطبيعي: حماية أعضائها، وصون كرامة المهنة، والدفاع عن سيادة القانون.
ولكي لا يبقى الحديث عن الاستقلال مجرد شعار، لا بد أن يتحول إلى مسار إصلاحي واضح يقوم على جملة شروط عملية: أوّلها تحصين النقابة دستورياً وقانونياً يضمن بوضوح عدم حل مجالسها ولا أن تُعيَّن من فوق، بل تُنتَخب انتخاباً حراً من المحامين أنفسهم، وثانيها إصلاح داخلي يعيد الهيبة لمؤسساتها التأديبية فيُحاسَب المسيء مهما كان نفوذه، وتُغلَق أبواب الوساطة والمحسوبيات في الانتساب والترفيع. وثالثها رفع مستوى المهنة بتشديد شروط القبول وفرض تدريب جديّ وتحديث علمي مستمر، ورابعها تفعيل الدور الحقوقي للنقابة في الدفاع عن المحامين المضطهدين ورفض انتهاك حقوق الإنسان وحماية الحريات العامة، وخامسها تنظيم كتل مهنية مستقلة تخوض انتخابات النقابة بأجندة إصلاحية واضحة، حتى لا تبقى القاعدة صامتة والقرار حكراً على من يملكون مفاتيح السلطة.
بين الألم والأمل
إذا كانت مهنة المحاماة تعيش اليوم أعمق أزماتها، فذلك لأن النقابة تخلّت عن دورها، ولأن السلطة — قديمة كانت أم جديدة — صادرت استقلالها، ولأن فئة من المحامين ارتضت أن تتحوّل من حماة للحق إلى سماسرة للظلم، فاهتزّت ثقة الناس بالمهنة وبأهلها. ومع ذلك، يبقى موقف النقابة حين رفعت صوتها في ذروة الاستبداد الأسدي شاهداً على أن ما صودر يمكن أن يُستعاد.
العدالة لا تقوم بلا محاماة، والمحاماة لا تنهض بلا نقابة مستقلة، ولا نقابة بلا ضمير حيّ. وهذا الضمير لا تصنعه النصوص، بل يصنعه المحامون في تفاصيل ممارستهم اليومية، حين يقرّرون أن زمن الصمت والتكيّف قد انتهى، وأن عليهم أن يعيدوا إلى نقابتهم روحها ومعناها، كي تستعيد المهنة شرفها ودورها في حماية حرية الإنسان والقانون معًا.
المصدر