
تلفزيون سوريا: السبت, 16 أيار 2026 الساعة 3 مساءً
تحوّل الفساد خلال سنوات حكم النظام المخلوع في سوريا إلى جزء من الحياة اليومية داخل مؤسسات الدولة، حتى بات كثير من الموظفين والموظفات يتعاملون معه باعتباره “أمرا طبيعيا" أو وسيلة للبقاء في ظل تدني الرواتب وتدهور الظروف المعيشية. وبينما سيطر الرجال غالباً على شبكات النفوذ والصفقات الكبرى، وجدت نساء كثيرات أنفسهن عالقات بين الحاجة الاقتصادية والخوف من التهميش أو العقوبات، في بيئة إدارية قائمة على المحسوبيات والولاءات.
النساء والفساد في سوريا
تقول بثينة (45 عاماً)، وهي موظفة تنقلت بين عدة مؤسسات حكومية في دمشق وريفها، إن الفساد لم يعد سلوكاً مستهجناً داخل القطاع العام، بل أصبح مقبولاً اجتماعياً إلى حد كبير. وتضيف لـ"تلفزيون سوريا": "أصبح يُنظر للفاسد باعتباره شخصاً يساعد الآخرين ويوزع المنافع حوله، بينما الموظف النزيه يُتهم أحياناً بأنه معقّد أو غير متعاون".
وتوضح أن أشكال الفساد اليومية كانت تبدأ من تفاصيل بسيطة، مثل بيع الطوابع الرسمية بأسعار أعلى أو طلب "إكرامية" صغيرة لتسريع المعاملات، مؤكدة أن النساء كنّ أكثر انخراطاً في هذا النوع من “الفساد المحدود”، بينما بقيت الصفقات الكبرى والمناقصات والعلاقات المرتبطة بالمسؤولين والأجهزة الأمنية حكراً على الرجال في الغالب.
في المقابل، تشير سناء (55 عاماً)، وهي موظفة سابقة في وزارة الاقتصاد، إلى أن الرشوة الصغيرة تحولت مع الوقت إلى ما يشبه العرف داخل المؤسسات الحكومية، حتى اكتسبت تسميات مخففة مثل "تمشاية حال" و"البراني" وتوضح أن الموظفين في المواقع التي تتطلب احتكاكاً مباشراً بالمراجعين كانوا يعتبرون أنفسهم محظوظين، بسبب ما تتيحه هذه المواقع من دخل إضافي غير رسمي.
لكن صفاء برهوم، التي شغلت سابقاً موقعاً إدارياً ، ترى أن الفساد الأكبر كان يجري على مستويات عليا بعيداً عن الموظفين العاديين. وتقول لـ"تلفزيون سوريا": “كان هناك دائماً حرص على إيجاد غطاء قانوني لأي مخالفة كبيرة، أما الموظفون الصغار فكانوا الحلقة الأضعف التي تتحمل المسؤولية عند انكشاف أي قضية”. وتضيف أن خروجها من منصبها لم يكن بسبب تقصير إداري، بل نتيجة خلافات سياسية ورفضها الانخراط في الولاءات المطلوبة داخل المؤسسة.
وتلفت إلى أن النساء كنّ أكثر حذراً في التعامل مع الرشوة، خوفاً من الفضيحة الاجتماعية أو المساءلة، معتبرة أن المجتمع ينظر إلى المرأة المتهمة بالفساد بصرامة أكبر من الرجل.
في القطاع الصحي، تروي راما ناصيف، وهي ممرضة عملت في مشافٍ حكومية، كيف كانت المحسوبيات تتحكم بالحصول على العلاج والخدمات المجانية. وتقول لـ "تلفزيون سوريا" إن المرضى الذين يملكون معارف داخل المستشفى أو القادرين على دفع الرشاوى كانوا يحصلون على الخدمات بسرعة، بينما ينتظر آخرون لساعات أو أيام. وتضيف أن الاعتراض على هذه الممارسات كان شبه مستحيل، خصوصاً بالنسبة للنساء، بسبب الخوف من العقوبات أو فقدان الوظيفة.
أما في قطاع التعليم، فتقول سهير طعمة، وهي مدرسة من ريف دمشق، إن الواسطة لعبت دوراً أساسياً في التعيينات وتوزيع أماكن العمل. وتوضح أن المعلمات اللواتي يملكن علاقات كنّ يحصلن على وظائف قريبة من منازلهن، بينما تُرسل أخريات إلى مناطق بعيدة رغم تفوقهن الأكاديمي، مضيفة أن كثيراً من الموظفين كانوا يحضرون أياماً قليلة فقط لتوقيع الدوام.
الفساد.. اقتصاد مواز في المؤسسات السورية
يتضح أن الفساد لم يكن مجرد سلوك فردي معزول، بل شبكة تتداخل فيها الضرورات المعيشية مع آليات العمل داخل المؤسسات. ومع الانتقال إلى زاوية أكثر رسمية، يبرز البعد الإداري والقانوني كإطار يحاول تفسير هذه الممارسات وضبطها، من خلال تحديد المسؤوليات ووضع حدود للمساءلة والعقوبات.
وفي هذا السياق، أكد مدير سابق في رئاسة مجلس الوزراء خلال فترة حكم النظام المخلوع، فضّل عدم الكشف عن اسمه، أن الرشوة تحولت خلال السنوات الأخيرة إلى “اقتصاد موازٍ" داخل مؤسسات الدولة، مع اتساع الفجوة بين الرواتب وتكاليف المعيشة. وأضاف لـ "تلفزيون سوريا" أن كثيرين ممن كانوا يرفضون الرشوة سابقاً باتوا يتقبلونها تحت ضغط الحاجة.
اقرأ أيضاً
المصدر