
تلفزيون سوريا: الجمعة, 29 أيار 2026 الساعة 9 صباحاً
في الاقتصادات التي تمر بمرحلة إعادة تشكل، لا يتحرك الاستثمار بناءً على وفرة الفرص وحدها، بل على قدرة الدولة على تحويل هذه الفرص إلى بيئة عمل مستقرة وقابلة للتنبؤ. فالمستثمر، سواء كان محليًا أم أجنبيًا، لا يقرأ السوق بعين الحماسة فقط، بل بعين المخاطر والكلفة والوقت والقدرة على التنفيذ.
وفي سوريا اليوم، تبدو هذه المعادلة في قلب النقاش الاقتصادي الجاري. فخلال الفترة الأخيرة، عاد الحديث بقوة عن الاستثمار، وإعادة تنشيط قطاعات الإنتاج والبنية التحتية والخدمات، وفتح المجال أمام شراكات اقتصادية أوسع في المرحلة المقبلة. وهذا بحد ذاته مؤشر مهم على وجود إدراك متزايد بأن الاقتصاد سيكون أحد المفاتيح الرئيسية لعبور سوريا نحو مرحلة أكثر استقرارًا.
لكن نجاح أي تحول اقتصادي لا يرتبط بالإعلان عن الفرص فقط، بل بقدرة البيئة القانونية والإدارية على مواكبة هذا التحول.
الاستثمار، في النهاية، ليس قرارًا سياسيًا فقط، بل قرار تشغيلي يومي. والمستثمر لا يسأل فقط عن الإعفاءات أو الحوافز، بل عن تفاصيل أكثر حساسية..
لا شك أن سوريا تمتلك مقومات استثمارية كبيرة؛ من الموقع الجغرافي، إلى حجم السوق، إلى الحاجة الواسعة لإعادة التأهيل والبناء في قطاعات متعددة. كما شهد العام الأخير حراكًا متزايدًا على مستوى القوانين والإجراءات المرتبطة بتحسين بيئة الاستثمار، في مؤشر على وجود توجه لإعادة تنشيط الاقتصاد وتهيئة الأرضية لمرحلة اقتصادية أكثر انفتاحًا وتنظيمًا.
إلا أن التجربة الاستثمارية في أي دولة لا تُقاس بالنصوص وحدها، بل بالتجربة العملية التي يواجهها المستثمر منذ اللحظة الأولى لدخوله السوق.
فالاستثمار، في النهاية، ليس قرارًا سياسيًا فقط، بل قرار تشغيلي يومي. والمستثمر لا يسأل فقط عن الإعفاءات أو الحوافز، بل عن تفاصيل أكثر حساسية:
كم تستغرق الإجراءات؟
هل المرجعيات واضحة؟
ما مستوى استقرار القرارات؟
هل يمكن التنبؤ بالمسار التنفيذي للمشروع؟
وكيف تُحل النزاعات إذا ظهرت؟
هذه التفاصيل هي التي تصنع الثقة الحقيقية.
وقد أظهرت تجارب إقليمية، مثل المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة، أن جذب الاستثمار لم يعتمد فقط على تقديم الحوافز المالية أو إصدار القوانين، بل على بناء بيئة تنفيذية أكثر كفاءة ووضوحًا، من خلال تقليص التعقيدات الإدارية، وتوحيد المرجعيات، وتسريع الخدمات، وتعزيز قدرة المستثمر على اتخاذ القرار ضمن بيئة أكثر استقرارًا وقابلية للتوقع. وهو ما أسهم في تحويل الإصلاح الإداري نفسه إلى عنصر جذب اقتصادي مباشر.
وفي السياق نفسه، بدأت مؤشرات خارجية تعكس اهتمامًا متزايدًا بإمكانات السوق السورية في المرحلة المقبلة. فقد أشارت السفارة الأميركية في دمشق، عبر منصاتها الرسمية، إلى أهمية انفتاح سوريا على الاستثمار وريادة الأعمال والاندماج الاقتصادي، في دلالة سياسية واقتصادية لافتة على أن جزءًا من المجتمع الدولي بات ينظر إلى سوريا بوصفها سوقًا تمتلك فرصًا قابلة للنمو إذا ما توفرت البيئة المؤسسية القادرة على استيعاب هذه الفرص وتحويلها إلى واقع عملي.
وفي الحالة السورية، ما تزال هناك تحديات عملية مرتبطة بسرعة الإجراءات، وتعدد الجهات، واختلاف بعض التفسيرات الإدارية بين مؤسسة وأخرى، إضافة إلى استمرار جزء من البنية البيروقراطية التقليدية التي تشكلت خلال عقود سابقة، والتي لم تُحدَّث بالكامل لتتوافق مع متطلبات بيئة استثمارية حديثة تقوم على السرعة والوضوح والمرونة.
لكن أهمية المرحلة الحالية تكمن في أن هذه التحديات أصبحت مطروحة للنقاش بشكل أوضح من السابق، مع وجود إدراك متزايد أن تحسين البيئة الاستثمارية لا يمكن أن يتحقق فقط عبر إصدار القوانين، بل عبر تطوير آليات التنفيذ نفسها.
فالأسواق الناجحة لا تُبنى فقط على التشريعات الجيدة، بل على قدرة المؤسسات على تطبيق هذه التشريعات بشكل متسق وواضح وقابل للتوقع.
ومن هنا، فإن تطوير البيئة الاستثمارية في سوريا يحتاج إلى مسار متكامل يشمل تبسيط الإجراءات، وتوحيد المرجعيات، وتسريع المعاملات، وتعزيز الحوكمة الإدارية، ورفع كفاءة المؤسسات المرتبطة بالاستثمار، إضافة إلى تطوير آليات حماية الحقوق وتسوية النزاعات التجارية بصورة أكثر فاعلية ووضوحًا.
تمتلك سوريا اليوم فرصًا حقيقية في قطاعات متعددة، من البنية التحتية والطاقة والخدمات، إلى الزراعة والصناعات التحويلية وإعادة التأهيل العمراني. وهذه القطاعات قادرة على جذب اهتمام اقتصادي حقيقي إذا ترافق ذلك مع بيئة تنفيذية أكثر مرونة وكفاءة.
كما أن المرحلة المقبلة تتطلب استكمال البناء التشريعي والمؤسساتي بصورة أكثر تناغمًا مع التوجهات الاقتصادية الجديدة، بحيث تصبح العلاقة بين القوانين والسياسات التنفيذية أكثر وضوحًا واستقرارًا؛ لأن المستثمر لا يبحث فقط عن فرصة ربح، بل عن بيئة يشعر فيها أن القواعد مستقرة ويمكن البناء عليها على المدى الطويل.
وفي المقابل، تمتلك سوريا اليوم فرصًا حقيقية في قطاعات متعددة، من البنية التحتية والطاقة والخدمات، إلى الزراعة والصناعات التحويلية وإعادة التأهيل العمراني. وهذه القطاعات قادرة على جذب اهتمام اقتصادي حقيقي إذا ترافق ذلك مع بيئة تنفيذية أكثر مرونة وكفاءة.
كما يبرز هنا دور القطاع الخاص السوري، الذي يمتلك خبرة طويلة في التعامل مع السوق المحلية، وقدرة مهمة على لعب دور أساسي في إعادة تنشيط الدورة الاقتصادية، خصوصًا إذا جرى تعزيز الشراكة بينه وبين المؤسسات العامة ضمن قواعد واضحة ومتوازنة.
وفي النهاية، لا تُبنى الثقة الاقتصادية عبر الخطاب وحده، بل عبر التجربة اليومية التي يعيشها المستثمر داخل السوق. فكل خطوة نحو وضوح أكبر في الإجراءات، وسرعة أعلى في التنفيذ، واستقرار أوضح في القرارات، تتحول عمليًا إلى رسالة ثقة أقوى من أي حملة ترويجية.
فالرساميل لا تدخل إلى الأسواق التي تعد كثيرًا، بل إلى الأسواق التي يمكن الوثوق بها. وعند هذه النقطة تحديدًا، تبدأ البيئة الاستثمارية بالانتقال من مرحلة انتظار الفرص… إلى مرحلة القدرة الحقيقية على تحويلها إلى مشاريع منتجة ومستدامة.
المصدر