
تلفزيون سوريا: الجمعة, 29 أيار 2026 الساعة 9 صباحاً
في الواقع، وبعد هذا التحول التاريخي المتمثل بسقوط نظام الأسد المجرم، وتولي سلطات جديدة مقاليد الحكم في البلاد، فلا شك أن هناك تحديات وعقبات كثيرة ومعقدة، وليست سهلة بالمطلق، تتمثل في النهوض بالحالة الاقتصادية والمعيشية والخدمية، ومسائل إعادة الإعمار، وتثبيت الأمن والاستقرار في ربوع الوطن.
وكل ذلك، حقيقة، سيقف في وجه الحكومة السورية الناشئة، وسيثقل كاهلها المثقل أساساً، خاصة أن الدولة السورية قد ورثت، رغماً عنها، أطلال وأنقاض دولة مدمرة، سُلبت قدراتها ومقدراتها وخيراتها لأكثر من خمسة عقود من قبل عصابة وطغمة "آل الأسد" الاستبدادية وزمرتهم الفاسدة المجرمة.
ضرورة بناء الجيش العربي السوري
عملياً، وبعد انهيار جيش "الأسد" وانحلال عقده، فإن عملية إعادة بناء جيش سوري محترف جديد على أسس تنظيمية وبنيوية حقيقية، تماثل وتوازي جيوش الدول المتقدمة، هي في الواقع من الأولويات، وتعد التحدي الأكبر والأكثر صعوبة وأهمية الذي سيواجه الدولة السورية الجديدة، كون هذا الجيش الوليد هو الهدف المعول عليه الذي سيكفل ويؤمن سلامة واستقرار البلاد والعباد وأمنهم، وهو القادر الوحيد على مواجهة التحديات الأمنية الداخلية منها والخارجية العديدة التي تتعرض لها الدولة، خاصة بعد سقوط النظام الأسدي المجرم.
وعليه، فإن القائمين والمسؤولين العسكريين في وزارة الدفاع الجديدة واجهوا، "برأيي"، ولا يزالون يواجهون صعوبات معقدة ومركبة كثيرة في ضرورة إثبات قدراتهم على تفكيك وإنهاء الحالة الفصائلية المقيتة التي فرضت نفسها طوال سنوات الثورة العجاف، ناهيك عن وجوب العمل الحقيقي الجاد والهادف على تقوية وتحديد وتوحيد العقيدة العسكرية الوطنية الجامعة، وتعزيز الروح الجماعية والانضباط العسكري، وترسيخ شعار الولاء لله والوطن فقط.
وهذا كله، باعتقادي، يجب أن يترافق مع عمليات إعادة النظر بالهيكلية المؤسساتية العسكرية، البرية والجوية والبحرية والإدارات والهيئات وصنوف القوات، وفقاً للمعايير الحقيقية، لا الصورية الشكلية، والذي سيأتي بالضرورة متواكباً مع عمليات دمج الضباط وصف الضباط المنشقين، وتصنيفهم ووضعهم في أماكنهم المناسبة وفقاً لاختصاصاتهم وقدراتهم القيادية، والعمل الهادف والجاد على الاستفادة من خبراتهم الأكاديمية والميدانية، وأخيراً وليس آخراً، وجوب تأمين السلاح والعتاد اللازم لهذا الجيش وسط التعقيدات والقيود الإقليمية، "إسرائيل"، والدولية الصارمة.
صعوبات بناء الجيش السوري
حقيقة، فإن الواقع الذي تشكّل بعد سنوات الثورة السورية دفع بوزارة الدفاع إلى التأكيد أن المرحلة الانتقالية الحالية تتطلب من الجميع إعادة تشكيل وتأسيس جيش وطني متكامل، وتأهيله وفقاً لأهمية ومتطلبات وأخطار المرحلة المقبلة، وليس مجرد القيام بترقيعات أو إصلاحات جزئية صورية هنا أو هناك، خصوصاً أن الهيكلية العسكرية للفصائل خرجت من الحرب بتركيبة غريبة جديدة، وقيادات ميدانية متفاوتة الخبرات والقدرات أفرزها واقع القتال على الأرض في سنوات الثورة السابقة.
وعليه، وكما يشير ويدل الواقع السوري، فإن هناك العديد من التحديات والصعوبات التي ستواجه عملية تنظيم وتشكيل الجيش الوطني الاحترافي وفقاً للأسس والمعايير السليمة، وهنا أذكر بعضاً من هذه التحديات:
الإرث الفصائلي والمناطقي الثقيل، والضرورة القصوى للخروج من عباءة الفصائلية المتخبطة إلى المؤسسة العسكرية المنضبطة. وهذا، وفقاً "لرأيي"، سيحتاج ربما إلى وقت طويل نسبياً، وجهود مضاعفة مبذولة من القيادة العامة العليا للجيش والقوات المسلحة السورية، خاصة مع أخذها بعين الاعتبار ارتباط كثير من المقاتلين عاطفياً أو مصلحياً ومناطقياً، بصلات قرابة وعشائرية، بقادتهم الميدانيين الحاليين والسابقين، الذين لا يزال معظمهم حتى هذا الوقت منخرطين في بنية الجيش الجديد.
دمج "قسد": في الواقع، يمثل ملف دمج قوات سوريا الديمقراطية "قسد" في الهيكلية العسكرية الجديدة تحدياً معقداً لوزارة الدفاع، واستمرارية رفض "دمشق" لوجود أي كيانات عسكرية أو شبه عسكرية موازية، أو الاحتفاظ بهيكلية قيادية مستقلة من أي جهة كانت، وتحت أي مسمى كان على الأراضي السورية، الأكراد والدروز وغيرهم، وإصرار القيادة الشديد على دمج كافة العناصر كأفراد داخل مؤسسات الجيش والأمن السوري.
التحديات الهيكلية والتنظيمية وضرورة بناء مؤسسة عسكرية اختصاصية وطنية جامعة، والانتقال من إدارة المعارك العشوائية السابقة إلى بناء قوى وهيئة أركان وإدارات جيش نظامي احترافي، إدارة التسليح، إدارة الصواريخ والمدفعية والدفاع الجوي، وإدارة الاستطلاع والحرب الإلكترونية.. إلخ. وهذا كله يتطلب من وزارة الدفاع البحث وإعداد كفاءات احترافية مؤهلة قيادياً وإدارياً وتنظيمياً.
دمج الضباط وصف الضباط المنشقين والمقاتلين، وإيجاد صيغة متوازنة تجمع بين الاستفادة من الخبرات الميدانية للمقاتلين الثوار، وتوظيف الخبرات المؤسساتية للضباط المنشقين في هيكلية القيادة والإدارة والتدريب والتأهيل.
معضلة التسليح والقيود الدولية والإقليمية، ولا سيما بعد أن دمر العدو الإسرائيلي معظم القدرات التسليحية الجوية والبرية والبحرية، ووسائط ومنظومات الدفاع الجوي السابقة. واليوم تسعى الدولة السورية لإعادة بناء جميع القدرات الدفاعية، في ظل وجود القيود والموانع الإسرائيلية، والضغوط الإقليمية المصاحبة، والتي تفرض مجتمعة تحديات وتعقيدات في الحصول على منظومات تسليحية حديثة ومتطورة للجيش العربي السوري الجديد.
تحديد العقيدة القتالية والعمل على الابتعاد التام عن الأدلجة الطائفية والإثنية، وصياغة عقيدة عسكرية وطنية جامعة واضحة تحمي هيبة الدولة وتصون سيادتها، وتحفظ حدودها، وتجنبها الانجرار إلى أي صراعات جانبية، قد تقرؤها دول الجوار أو المجتمع الدولي كتهديد قائم بشكل أو بآخر. وعليه، فإن نجاح الجيش العربي السوري في المرحلة المقبلة مرهون بالابتعاد التام عن الأدلجة الطائفية، والتأسيس لاحترافية عسكرية جامعة تمثل كل أطياف الشعب السوري.
ويبدو أن تحدي المخاوف من فقدان المكتسبات، وخشية بعض قادة الفصائل من أن يؤدي الدمج الحقيقي في جيش وطني جامع إلى فقدانهم نفوذهم ومكتسباتهم التي حققوها خلال سنوات الثورة الماضية يقلق بعضهم. ومن جانب آخر، وهذا ربما ما أشعر به، فإن هناك إدراكاً مشبوهاً من قادة تلك الفصائل لأهمية الوجود في الجيش السوري الجديد، ولكن كوسيلة لتعزيز نفوذهم ومكاسبهم الضيقة، بدلاً من أن يُقصوا تماماً من المشهد. وهذا بحد ذاته قد يُثير مخاوف من أن يتحوّل اندماج هؤلاء في الجيش إلى ساحة صراع مستقبلي داخلي على النفوذ، بدلاً من أن يكون خطوة حقيقية نحو بناء مؤسسة عسكرية متماسكة تقوم على أسس وطنية وعقيدة عسكرية واضحة.
ختاماً
في الواقع، ورغم الصعوبات المذكورة التي ستواجه أي خطوات جادة لإعادة بناء الجيش العربي السوري الجديد، فلا بد للقيادة السورية من العمل على تذليل الصعوبات والتحديات المتنوعة وتجاوزها بصبر وثقة، وذلك من خلال العمل على تمتين وتعزيز العلاقات العسكرية المتبادلة مع العمق العربي، ومع الجانب التركي، وربما مع دول وجهات أخرى من أجل إيجاد حالة من الاستقرار الأمني والاقتصادي والمجتمعي في سوريا.
وهذا كله سيسهم، باعتقادي، بشكل إيجابي في إعادة بناء جيش وطني جديد على أسس قيادية وعقائدية وتسليحية حقيقية، من شأنها أن تعزز وحدة الجيش ليقومَ بدوره الوطني القادم، الذي يقع على عاتقه الحد من التدخلات الخارجية والمساس بالسيادة الكاملة للدولة السورية ووحدة وسلامة شعبها وأراضيها.
المصدر