
تلفزيون سوريا: الجمعة, 29 أيار 2026 الساعة 9 صباحاً
لم يكن تصريح الرئيس التركي رجب طيب أردوغان من جامع تشاملجا الكبير في إسطنبول، عقب صلاة عيد الأضحى، حين قال إن بنيامين نتنياهو “سيُحاسب على جرائمه أمام مسلمي العالم”، مجرد امتداد للخطاب التركي التقليدي الداعم لغزة أو محاولة جديدة لاستثمار الغضب الشعبي الإسلامي بعد الحرب.
ما صدر عن أردوغان يعكس تحوّلاً أعمق تعيشه المنطقة منذ أشهر، حيث لم تعد المواجهة بين تركيا وإسرائيل محصورة بالخلاف حول القضية الفلسطينية أو بسقف السجالات السياسية والإعلامية، بل دخلت تدريجياً في إطار صراع يتعلق بشكل الشرق الأوسط المقبل، ومن يمتلك القدرة على صياغة توازناته الجديدة.
إسرائيل تدرك أن البيئة الإقليمية التي استفادت منها طوال السنوات الماضية بدأت تتآكل تدريجياً. فالحرب على غزة، رغم ما حققته عسكرياً، لم تؤدِّ إلى تثبيت موقع إسرائيل الإقليمي كما كانت تتوقع، بل فتحت مساراً معاكساً تماماً. إذ ارتفعت مستويات العزلة السياسية والأخلاقية لتل أبيب، وتزايد التوتر مع قوى إقليمية أساسية، وفي مقدمتها تركيا، بينما بدأت دول عديدة تعيد النظر في مقاربتها للمنطقة انطلاقاً من قناعة بأن الشرق الأوسط بعد غزة لن يكون كما قبله.
من هنا يمكن فهم التصعيد التركي المتدرج تجاه إسرائيل. فأنقرة لم تعد تنظر إلى المواجهة باعتبارها مجرد قضية تضامن مع الفلسطينيين، بل باعتبارها معركة على النفوذ والدور والمكانة داخل الإقليم. القيادة التركية تعتقد أن إسرائيل تحاول استغلال الحرب لإعادة هندسة المنطقة أمنياً وسياسياً، عبر ترسيخ تفوقها العسكري وفرض وقائع جديدة في غزة ولبنان وسوريا وشرق المتوسط.
تخشى إسرائيل أن تتحول سوريا مجدداً إلى دولة مركزية مستقرة تمتلك علاقات إقليمية واسعة، لأن ذلك سيعني عملياً سقوط أحد أهم الأسس التي قامت عليها البيئة الاستراتيجية الإسرائيلية بعد عام 2011.
وفي المقابل، ترى تركيا أن اللحظة الحالية تتيح لها فرصة إعادة التموضع كقوة مركزية في العالم الإسلامي والشرق الأوسط، مستفيدة من تراجع أدوار إقليمية أخرى، ومن التحولات التي أصابت إيران، ومن حاجة الغرب إلى قوة إقليمية مستقرة وقادرة على إدارة التوازنات.
ولهذا، فإن ما يُكتب داخل الصحافة ومراكز الدراسات الإسرائيلية خلال الأشهر الأخيرة يكشف حجم القلق الحقيقي من التحول التركي. هناك توصيفات بدأت تظهر بصورة متكررة تتحدث عن “الخطر التركي الصاعد”، وعن احتمال انتقال العلاقة من مرحلة “التنافس” إلى مرحلة “الاحتواء المتبادل”، بل إن بعض التحليلات الإسرائيلية باتت تتعامل مع تركيا باعتبارها التحدي الجيوسياسي الأكثر تعقيداً لإسرائيل خلال العقد المقبل، خصوصاً أنها تجمع بين عناصر لا تملكها إيران، عضوية في الناتو، اقتصاد كبير، قاعدة صناعية وعسكرية متطورة، شرعية سياسية وشعبية داخل البيئة السنية والعربية في المنطقة.
لكن العقدة الأساسية بالنسبة لإسرائيل لا ترتبط فقط بتركيا نفسها، بل بالبيئة الإقليمية التي قد تتشكل حولها. وهنا تحديداً تظهر سوريا كأحد أخطر التحولات الجارية في الحسابات الإسرائيلية.
فإسرائيل بنت جزءاً مهماً من استراتيجيتها خلال السنوات الماضية على فرضية أن سوريا ستبقى دولة منهكة ومعزولة ومفككة، غير قادرة على استعادة موقعها الطبيعي أو التحول إلى مركز اقتصادي وسياسي فاعل. وهذه الفرضية شكّلت بالنسبة لتل أبيب أحد أهم المكاسب غير المباشرة للحرب السورية. فدولة ضعيفة ومقسمة ومُنهكة تعني حدوداً أكثر أمناً، وبيئة إقليمية أقل قدرة على إنتاج توازنات معادية.
لكن المشهد بدأ يتغير بصورة تدريجية ومقلقة بالنسبة للإسرائيليين. الانفتاح العربي والدولي على دمشق يتوسع، وشبكات الاستثمار والطاقة والنقل بدأت تعود إلى النقاش، في حين تتزايد المؤشرات إلى أن الغرب لم يعد يتعامل مع سوريا فقط بوصفها ملفاً أمنياً أو إنسانياً، بل بوصفها دولة يمكن إعادة دمجها تدريجياً في الاقتصاد الإقليمي والدولي.
هذا ما عكسته بوضوح صحيفة “يديعوت أحرونوت” الإسرائيلية عندما تحدثت عن مخاوف داخل إسرائيل من خروج سوريا من عزلتها وتحولها إلى وجهة استثمارية واعدة. الصحيفة لم تُخفِ القلق من أن الغرب بات يراهن على الرئيس السوري أحمد الشرع، وأن عودة سوريا المفاجئة إلى أسواق التمويل والطاقة العالمية تمثل منعطفاً تاريخياً بالنسبة لها. والأهم أن الصحيفة ربطت هذا التحول مباشرة بالمخاوف الأمنية الإسرائيلية، معتبرة أن الانفتاح الدولي على سوريا لا يتوافق مع المصالح الإسرائيلية ولا مع الحسابات الأمنية لتل أبيب.
في الجوهر، تخشى إسرائيل أن تتحول سوريا مجدداً إلى دولة مركزية مستقرة تمتلك علاقات إقليمية واسعة، لأن ذلك سيعني عملياً سقوط أحد أهم الأسس التي قامت عليها البيئة الاستراتيجية الإسرائيلية بعد عام 2011. فدمشق الخارجة من العزلة لن تكون مجرد عاصمة استعادت علاقاتها العربية، بل قد تتحول إلى عقدة وصل اقتصادية وجغرافية بين الخليج وتركيا وشرق المتوسط، وإلى ساحة نفوذ تتنافس عليها القوى الكبرى والإقليمية بدل أن تبقى مساحة استنزاف وفوضى.
وهنا يتقاطع العامل التركي مع العامل السوري بصورة مباشرة. فأنقرة ترى في سوريا الجديدة عمقاً اقتصادياً واستراتيجياً طبيعياً، وممراً نحو إعادة توسيع نفوذها التجاري والسياسي في المنطقة. أما إسرائيل، فتنظر إلى أي تقارب تركي ـ سوري أو عربي ـ سوري بوصفه بداية لتشكّل بيئة إقليمية أقل ملاءمة لها وأكثر قدرة على إنتاج توازنات مستقلة عن الرؤية الإسرائيلية والأميركية التقليدية.
ومن هذا المنطلق يمكن فهم سبب رفض دمشق الانخراط في أي مواجهة مباشرة ضد حزب الله في البقاع أو لبنان، رغم كل التعقيدات السابقة في العلاقة بين الطرفين. القيادة السورية الحالية تدرك أن أولويتها الأساسية ليست فتح حروب جديدة أو تصفية حسابات إقليمية، بل تثبيت الاستقرار الداخلي وإعادة بناء الاقتصاد واستقطاب الاستثمارات وفتح الأبواب العربية والدولية أمام سوريا.
وأي انخراط سوري في معركة مفتوحة ضد حزب الله سيعني عملياً إعادة تحويل سوريا إلى ساحة صراع إقليمي، وضرب المناخ الذي تحاول دمشق تسويقه للخارج باعتبارها دولة تتجه نحو الاستقرار وإعادة الإعمار والانفتاح الاقتصادي. لذلك تبدو المقاربة السورية الحالية قائمة على احتواء التوترات ومنع انفجارها، لا على الذهاب نحو مواجهات كبرى تخدم الحسابات الإسرائيلية أكثر مما تخدم المصالح السورية.
لكن هذه التحولات الإقليمية لا تُقرأ داخل إسرائيل فقط من زاوية التهديدات الخارجية، بل أيضاً من زاوية النقاش الداخلي حول طبيعة القيادة القادرة على إدارة الشرق الأوسط الجديد. وهنا يبرز عامل إسرائيلي داخلي لا يقل أهمية عن التحولات الإقليمية نفسها، وهو احتمال عودة نفتالي بينيت إلى رئاسة الحكومة الإسرائيلية في ظل السعي للخروج من النفق الإقليمي المظلم.
فداخل عدد من مراكز الدراسات والأوساط الأمنية الإسرائيلية، هناك اقتناع متزايد بأن مرحلة نتنياهو، رغم عنفها العسكري والسياسي، أضرت بصورة إسرائيل الدولية واستنزفت جزءاً من قدرتها على إدارة التحالفات الإقليمية والدولية بهدوء. لكن المفارقة أن عودة بينيت لا تعني بالضرورة تراجع التوتر مع تركيا أو تخفيف الضغط على سوريا ولبنان، بل ربما العكس تماماً.
إن الصراع التركي ـ الإسرائيلي قد يصبح أكثر تعقيداً في مرحلة ما بعد نتنياهو، لا أقل، لأن المشكلة لم تعد مرتبطة فقط بشخص رئيس الحكومة الإسرائيلية، بل بطبيعة التحولات الكبرى التي تعيشها المنطقة..
فبينيت يُنظر إليه داخل المؤسسة الإسرائيلية باعتباره أكثر براغماتية وأقل اندفاعاً إعلامياً من نتنياهو، لكنه في الوقت نفسه أكثر ميلاً لبناء استراتيجيات احتواء طويلة المدى تجاه الخصوم الإقليميين، وخصوصاً تركيا. الفرق الأساسي أن نتنياهو يدير الصراع غالباً بمنطق المواجهة السياسية المفتوحة والتصعيد المستمر، بينما يميل بينيت إلى العمل على إعادة بناء البيئة الاستراتيجية المحيطة بإسرائيل بهدوء، عبر التحالفات الأمنية والاقتصادية والاستخبارية، ومحاولة تطويق النفوذ التركي في شرق المتوسط وسوريا والعالم العربي.
ولهذا تخشى أنقرة أن تشهد المرحلة المقبلة انتقال إسرائيل من سياسة “إدارة الأزمات” إلى سياسة “إعادة هندسة التوازنات الإقليمية”، خصوصاً إذا ترافق ذلك مع دعم أميركي وغربي لمحاولات احتواء النفوذ التركي ومنع تحوّل سوريا الجديدة إلى مساحة نفوذ اقتصادي وسياسي مفتوحة أمام أنقرة.
بمعنى آخر، فإن الصراع التركي ـ الإسرائيلي قد يصبح أكثر تعقيداً في مرحلة ما بعد نتنياهو، لا أقل، لأن المشكلة لم تعد مرتبطة فقط بشخص رئيس الحكومة الإسرائيلية، بل بطبيعة التحولات الكبرى التي تعيشها المنطقة، وبالصراع على شكل الشرق الأوسط الجديد ومن يمتلك القدرة على قيادته.
المشكلة بالنسبة لإسرائيل لم تعد فقط في صعود تركيا أو عودة سوريا، بل في أن الشرق الأوسط الذي بُني خلال السنوات الماضية على الفوضى والتفكك والحروب المفتوحة، بدأ يستعيد تدريجياً منطق الدولة والمصالح والتوازنات. وهذا تحديداً ما يجعل تل أبيب تشعر بأن المنطقة التي استفادت من انهيارها طويلاً، بدأت تنقلب عليها بصورة هادئة ولكن عميقة.
المصدر