
تلفزيون سوريا: الجمعة, 29 أيار 2026 الساعة 9 صباحاً
في أواخر أيار/مايو 2026، حذّرت السلطات السورية المجتمعات المحلية على طول نهر الفرات في الرقة ودير الزور من فيضانات عارمة إثر ارتفاع حاد في مناسيب المياه. وفتح المفيض في سد الفرات السوري في الطبقة بواباته للمرة الأولى منذ أكثر من ثلاثين عاماً، ليتدفق منها ما بين 1,500 و1,800 متر مكعب في الثانية، بعد أن تجاوز مخزون البحيرة 97 في المئة من طاقتها الاستيعابية.
وعزا مدير مؤسسة سد الفرات، هيثم بكور، هذا الضغط إلى واحد من أغزر مواسم الأمطار في سوريا منذ ما يقرب من ثلاثة عقود، وقد تفاقم بفعل إطلاق تركيا كميات ضخمة من المياه من خزانات السدود الواقعة في أعالي النهر. وغمرت المياه المنازل والأراضي الزراعية ومخيمات النازحين، وواجه الآلاف خطر الإخلاء، وهو، بلغة التجربة المعيشية السورية، نزوح للمرة الثانية أو الثالثة.
إن بقاء اتفاق ثنائي أُبرم عام 1987 الصك القانوني الرئيسي الذي يحكم نظاماً نهرياً يعتمد عليه عشرات الملايين، لهو في ذاته مقياس للفشل السياسي في الحوض.
هذه الأزمة ليست كارثة طبيعية؛ فهي نتاج التقاء ثلاثة إخفاقات متفاقمة: نظام معاهدات ثنائي معيب بين تركيا وسوريا، ورفض تركي للإطار المتعدد الأطراف الملزم في القانون الدولي للمجاري المائية الدولية، ودولة سورية خارجة من الحرب باتت بنيتها التحتية متهالكة إلى حد يعجزها عن استيعاب صدمة هيدرولوجية مفاجئة. وإذا نظرنا إلى كل عامل على حدة، وجدنا أنه ينطوي على خطورة بالغة؛ أما مجتمعة، فهي تؤلف فراغاً قانونياً يحوّل الأحداث الهيدرولوجية القابلة للاحتواء إلى حالات طوارئ إنسانية.
والصك الثنائي الأساسي الذي يحكم تدفق مياه الفرات هو بروتوكول عام 1987 بين تركيا وسوريا، الذي التزمت أنقرة بموجبه بالحفاظ على حد أدنى لمتوسط التدفق يبلغ 500 متر مكعب في الثانية عند الحدود التركية السورية. كما أنشأ البروتوكول لجاناً فنية مشتركة لتبادل البيانات الهيدرولوجية، وهي آلية كانت لها بعض الفائدة التشغيلية أثناء ملء خزان سد أتاتورك عام 1990، حين أخطرت تركيا سوريا والعراق قبل أشهر من بدء العملية. ومع ذلك، يبقى البروتوكول محدوداً من الناحية الفنية؛ فهو يضع حداً أدنى للكمية، لكنه لا يحدد أي صيغة لتوزيع التدفقات الفائضة، ولا يتضمن آلية لتحديد سقف يمنع التصريف الزائد الخطير، ولا جدولاً زمنياً ملزماً للإخطار يتناسب مع قدرة دول المصب على الاستجابة، ولا آلية لفض النزاعات عبر طرف ثالث. كما أنه لا يأخذ في الحسبان التغير المناخي، ولا الآثار المتراكمة لمشروع جنوب شرق الأناضول التركي (GAP)، الذي يضم 22 سداً و19 محطة لتوليد الطاقة الكهرومائية على نظامي الفرات ودجلة، ولا سيناريوهات ما بعد النزاع، حيث تقترب القدرة الاستيعابية لدول المصب من الصفر. ويوزع اتفاق سوري عراقي تكميلي لعام 1990 نسبة 42 في المئة من مياه الفرات التي تدخل سوريا إلى دمشق و58 في المئة إلى بغداد، لكنه يعمل هو الآخر من دون آلية قابلة للتنفيذ لفض النزاعات. وإن بقاء اتفاق ثنائي أُبرم عام 1987 الصك القانوني الرئيسي الذي يحكم نظاماً نهرياً يعتمد عليه عشرات الملايين، لهو في ذاته مقياس للفشل السياسي في الحوض.
وإن غياب اتفاق ثلاثي على مستوى الحوض بأكمله كان ومازال الفجوة الأكثر أثراً؛ إذ لا يوجد أي صك ثلاثي ملزم بين تركيا وسوريا والعراق بشأن نظام الفرات ودجلة. وقد نُفذت عمليات بناء السدود وتوسيع شبكات الري وإدارة المياه كلها بصورة أحادية الجانب، مما أدى إلى نشوء ديناميكية قائمة على المحصلة الصفرية، حيث يؤدي التطوير في دول المنبع إلى تقويض حقوق دول المصب من دون قيود قانونية كافية. ولم تحظَ البدائل التي اقترحتها تركيا نفسها، مثل "الخطة ذات المراحل الثلاث للاستخدام الأمثل والمنصف والمعقول"، بقبول سوريا والعراق قط، لأنها دمجت النظامين النهريين بطريقة كانت ستتيح لأنقرة موازنة فائضها في أحدهما بعجزها في الآخر، وهي صيغة تضع دول المصب في وضع غير مؤاتٍ على الدوام.
إن عدم مصادقة تركيا لا يعفيها من كل الالتزامات؛ فالمبادئ الأساسية للاتفاقية، لا سيما واجب الاستخدام المنصف والمعقول (المادة 5) والالتزام بعدم التسبب في ضرر جسيم (المادة 7)، تُعد على نطاق واسع انعكاساً للقانون الدولي العرفي الملزم لجميع الدول، بصرف النظر عن وضعها التعاهدي.
وتستند المرجعية القانونية لتركيا إلى تمييز حافظت عليه عبر العقود والإدارات المتعاقبة، ومفاده أن الفرات ودجلة نهران "عابران للحدود" وليسا نهرين "دوليين". وهنا يوجد تمييز قانوي؛ إذ تجادل تركيا بأنه، ما دامت هذه الأنهار تعبر الحدود ولا تشكلها، فإنها تظل خاضعة في المقام الأول للسيادة الإقليمية، مع اقتصار الالتزامات على "الاستخدام المنصف والمعقول"، لا إطار "عدم التسبب في ضرر جسيم" الأكثر حماية الذي تطالب به دول المصب. ويعيد هذا الموقف إلى الأذهان "عقيدة هارمون"، وهي مبدأ أمريكي يعود إلى القرن التاسع عشر يقوم على السيادة الإقليمية المطلقة على المجاري المائية المشتركة، ويؤكد حق الدولة غير المقيد في استخدام المياه داخل أراضيها بغض النظر عن العواقب على دول المصب. وقد صاغ رئيس الوزراء التركي الأسبق سليمان ديميريل هذا المنطق عام 1992، حين صرح بأن الموارد المائية ملك لتركيا تماماً كما أن الموارد النفطية ملك لجيرانها في الجنوب، وأنه لا يحق لأي طرف المطالبة بمشاركة موارد الطرف الآخر. وهذه الصيغة لا تجد أي مناصر لها في القانون الدولي المعاصر للمياه، لكنها أدت دور المنطق العملي الناظم لقرارات تركيا في دول المنبع.
وقد صوتت تركيا ضد اتفاقية الأمم المتحدة بشأن قانون استخدام المجاري المائية الدولية في الأغراض غير الملاحية لعام 1997 (UNWC) عند اعتمادها في الجمعية العامة، ولم تصادق عليها. وفي المقابل، تُعد سوريا والعراق طرفين في هذه الاتفاقية؛ مما يخلق بيئة قانونية غير متكافئة: فدول المصب ملزمة رسمياً بصك رفضته دولة المنبع صراحة.
ومع ذلك، فإن عدم مصادقة تركيا لا يعفيها من كل الالتزامات؛ فالمبادئ الأساسية للاتفاقية، لا سيما واجب الاستخدام المنصف والمعقول (المادة 5) والالتزام بعدم التسبب في ضرر جسيم (المادة 7)، تُعد على نطاق واسع انعكاساً للقانون الدولي العرفي الملزم لجميع الدول، بصرف النظر عن وضعها التعاهدي. وقد أكدت محكمة العدل الدولية المكانة التأسيسية للاستخدام المنصف والمعقول في قضية مشروع غابشيكوفو-ناجيماروس (المجر ضد سلوفاكيا) عام 1997، معترفة به معياراً للموارد المشتركة الراسخة في ممارسات الدول. وإن مبدأ عدم التسبب في ضرر جسيم له وزن قانوني كبير في السياقات التي يكون فيها الضرر متوقعاً بناءً على المعرفة المتاحة. وإن الزيادة المفاجئة في التصريف من دول المنبع إلى نظام نهري يخدم مجتمعات تعمل ببنية تحتية دمرتها الحرب، وهي مجتمعات عانت في السنوات السابقة من ظروف الجفاف وتدفقات تقل عن 200 متر مكعب في الثانية، تستوفي أي معيار معقول للتوقع. كما يرى العديد من فقهاء القانون أن المادة 27 من اتفاقية الأمم المتحدة (UNWC)، التي تتطلب من دول المجرى المائي اتخاذ جميع التدابير المناسبة لمنع أو تخفيف الظروف الضارة، بما في ذلك الفيضانات، تعكس أيضا التزاماً عرفياً. وحتى لو نازعت تركيا في قابلية تطبيق الاتفاقية بوصفها معاهدة، فإن الواجب التشغيلي المتمثل في إصدار تحذيرات في الوقت المناسب قبل إطلاق كميات تؤدي إلى مخاطر فيضانات ملموسة في دول المصب يندرج ضمن هذا الإطار العرفي.
ومسألة الإخطار متمايزة من الناحية التحليلية عن مسألة التسبب في الضرر، ولذا سوف أتناولها بشكل منفصل. فقد كان لفيضانات عام 2026 منشأ مزدوج: هطول أمطار موسمي استثنائي، وإطلاق تركيا كميات متراكمة من المياه من دول المنبع. ولا يزال من غير الواضح، وفق التقارير المتاحة، ما إذا كانت تركيا قد قدمت إخطاراً مسبقاً كافياً بعمليات الإطلاق؛ غير أن الواضح أن إطار اللجنة
الفنية المشتركة لبروتوكول عام 1987 صُمم لتمكين التبادل المسبق والمعاصر للمعلومات، وأن هذا الإطار لا يتضمن جدولاً زمنياً ملزماً للإخطار من النوع الذي تتطلبه استجابة متدرجة ومنسقة. وتظهر سابقة عام 1990، حين أخطرت تركيا سوريا والعراق قبل أشهر من بدء عمليات ملء خزان سد أتاتورك، أن الإنذار المبكر الفعال ممكن من الناحية التشغيلية متى توفرت الإرادة السياسية. وفي سياق استُنزفت فيه البنية التحتية للاستجابة لحالات الطوارئ في دولة المصب بشدة بفعل نزاع دام أكثر من عقد، فإن الإخطار الرسمي من دون مهلة زمنية كافية لا يشكل إخطاراً فعالاً من الناحيتين القانونية والإنسانية على حد سواء.
إن العجز القانوني والمؤسسي الذي كشفت عنه فيضانات عام 2026 يشير إلى حد أدنى من المتطلبات الرئيسية.
ولا يمكن كذلك تقييم هذه الأزمة بمعزل عن النمط الأوسع لإدارة تركيا في دول المنبع. فمع مرور الوقت، أدت البنية التحتية للسدود التركية إلى خفض تدفق نهر الفرات إلى سوريا إلى مستويات أدنى بكثير من حد الـ 500 متر مكعب في الثانية المنصوص عليه في البروتوكول، إذ انخفضت التدفقات المرصودة في المناطق الزراعية المنتجة إلى نحو 300 متر مكعب في الثانية خلال فترات الجفاف. كما استُخدمت السدود التركية للحد من إمدادات المياه إلى محطة ضخ علوك في شمال شرقي سوريا، وهي مصدر يخدم مئات الآلاف من الأشخاص، وهذا السلوك وصفه العديد من المحللين بأنه تسييس للمياه وتوظيف لها أداةً للضغط السياسي. وسواء كان حادث التصريف في عام 2026 يندرج ضمن هذا النمط أم يمثل استجابة لحالة طوارئ هيدرولوجية حقيقية، فإن الأمر لا يزال غير محسوم رسمياً، وعلى تركيا الإفصاح بشكل شفاف ومسؤول بشأن التفاصيل هذه المسألة، وتقديم العون والمساعدة.
إن العجز القانوني والمؤسسي الذي كشفت عنه فيضانات عام 2026 يشير إلى حد أدنى من المتطلبات الرئيسية. ويُعد الاتفاق الثلاثي للحوض، الذي يغطي كلاً من الفرات ودجلة، الإصلاح التأسيسي؛ إذ يتعين أن يضع حصص توزيع ملزمة تُعاير وفق بيانات التدفق المعاصرة وتوقعات المناخ، وأن يحدد جداول زمنية إلزامية للإخطار بجميع عمليات التصريف التي تتجاوز عتبات محددة، وأن ينشئ أمانة فنية مستقلة قادرة على مشاركة البيانات في الوقت الفعلي. ويجب إعادة التفاوض على بروتوكول عام 1987 ليشمل ضماناً ديناميكياً للحد الأدنى من التدفق يُعدّل وفقاً للتغير المناخي، وإخطاراً مسبقاً إلزامياً يُعاير وفق قدرة دول المصب على الاستجابة، ورصداً مشتركاً مع إمكانية وصول مستقلة إلى القياس عن بعد، وبنداً ملزماً لفض النزاعات. وتظل مسألة انضمام تركيا إلى اتفاقية الأمم المتحدة (UNWC) مطلباً قائماً لكل من سوريا والعراق. وقد تتيح فترة ما بعد الأسد، وإعادة الانخراط الدبلوماسي التركي السوري، الظروف السياسية الأكثر ملاءمة منذ عقود لتحقيق هذا المطلب. إن المجتمعات المحلية على طول نهر الفرات في الرقة ودير الزور تحتاج إلى إطار قانوني ملزم وقابل للتنفيذ، يضمن حقوقها المائية ويحميها من تحوّل كل صدمة هيدرولوجية جديدة إلى أزمة إنسانية متجددة.
المصدر