مقابلات الشوارع وتحولات الخطاب الإعلامي



تلفزيون سوريا: الاثنين, 22 حزيران 2026 الساعة 7 صباحاً

تُعدُّ مقابلات الشوارع من أكثر أشكال البرامج التلفزيونية التصاقاً بالحياة اليومية للناس، إذ تقوم فكرتها على مبدأ بسيط وعميق في آن واحد، فهي تمنح المواطن العادي فرصة التعبير عن رأيه خارج الأطر الرسمية والنخبوية التي تخضع لاعتبارات مؤسساتية محدَّدة تجعل التعبير فيها أكثر تعقيداً. وقد اكتسبت هذه المقابلات أهمية خاصة، منذ بدايات التلفزيون؛ لأنَّها نقلت الكاميرا من الاستوديو المغلق إلى الشارع، فكان الفرد يرى نفسه وأبناء مجتمعه يتحدَّثون بلغتهم العفوية، ومن واقع تجاربهم المباشرة، من دون كثير من الترتيب أو الإعداد المسبق، وقد ساعد على ذلك اتساع القاعدة الجماهيرية للتلفزيون، في ذلك الوقت، وتحوُّله إلى وسيط يومي حاضر في تفاصيل الحياة الاجتماعية، ممَّا جعل هذه المقابلات أكثر قدرة على عكس نبض الشارع وتوثيق التحوُّلات الاجتماعية كما هي في لحظتها الحية. تستلزم تجربة مقابلات الشوارع إعداداً مهنياً إعلامياً يستطيع صاحبه من خلاله أن يحوِّل اللقاء العابر إلى مادة إعلامية ذات قيمة معرفية وإنسانية؛ ذلك لأنَّ مثل هذه المقابلات تتطلَّب قدرة عالية على قراءة الواقع الاجتماعي، وفهم طبيعة الجمهور، واختيار الموضوعات التي تمسُّ حياة الناس بصورة مباشرة، إذ يصعب على الإعلامي اكتساب هذه القدرة داخل الاستوديوهات المغلقة والبرامج المعدَّة مسبقاً؛ لأنَّ الشارع يمثِّل بيئة مفتوحة ومتغيرة تفرض عليه التفاعل الفوري مع مواقف وشخصيات وخلفيات اجتماعية متنوعة، فيصبح الإعلامي أكثر قدرة على التقاط التفاصيل الصغيرة والإشارات غير اللفظية التي تكشف أبعاداً أوسع من تلك التي تعبِّر عنها الكلمات وحدها. غير أنَّ مقابلات الشوارع شهدت خلال العقود الأخيرة تحوُّلاً جذرياً بفعل التطوُّر الرقمي الذي أعاد تشكيل بيئة الإنتاج الإعلامي وآليات تلقِّي المحتوى. فقد كانت هذه المقابلات في الماضي جزءاً من منظومة إعلامية تقليدية تعتمد على فِرَق تصوير متخصِّصة وأجهزة تقنية كبيرة ودورات إنتاج طويلة نسبياً، الأمر الذي جعل ظهورها محكوماً بمعايير تحريرية ومؤسسية واضحة. أمَّا مع انتشار الهواتف الذكية ومنصَّات التواصل الاجتماعي وتطبيقات البث المباشر، فقد أصبحت عملية إنتاج المحتوى أكثر سهولة وأقل كلفة، وتحوَّل الشارع إلى فضاء إعلامي مفتوح يستطيع أيُّ فرد أن يوثِّق ما يجري فيه، وينشره فوراً إلى جمهور واسع، وقد أدَّى هذا التحول إلى توسيع نطاق المشاركة العامة في صناعة المحتوى، كما منح أصواتاً جديدة فرصة الوصول إلى الجمهور خارج المؤسسات الإعلامية التقليدية. أوجد التطوُّر الرقمي أشكالاً جديدة من التفاعل بين الجمهور وصانع المحتوى، فلم يعد المشاهد متلقياً سلبياً كما كان الحال في الإعلام التقليدي، بل أصبح قادراً على التعليق والنقد وإعادة النشر والمشاركة في توجيه النقاش العام.   كما فرضت البيئة الرقمية منطقاً جديداً على مقابلات الشوارع، حيث أصبحت سرعة الانتشار وحجم التفاعل عوامل مؤثِّرة في تحديد طبيعة المحتوى، وأخذت بعض المقابلات تتَّجه نحو الأسئلة المثيرة أو الإجابات الصادمة أو المواقف الطريفة التي تمتلك قابلية أكبر للتداول عبر المنصات الرقمية. كما أوجد التطوُّر الرقمي أشكالاً جديدة من التفاعل بين الجمهور وصانع المحتوى، فلم يعد المشاهد متلقياً سلبياً كما كان الحال في الإعلام التقليدي، بل أصبح قادراً على التعليق والنقد وإعادة النشر والمشاركة في توجيه النقاش العام. وقد أسهمت الخوارزميات في تعزيز انتشار بعض المقاطع على حساب غيرها، وهو ما جعل اختيار موضوعات المقابلات وطريقة تقديمها مرتبطاً أحياناً بما تفضِّله المنصات الرقمية أكثر من ارتباطه بالأهمية الاجتماعية للقضية المطروحة. وعلى الرغم من تلك الأهمية التي اكتسبتها مقابلات الشوارع بين الماضي والحاضر فقد تمَّ استثمار مقابلات الشوارع في سوريا خلال سنوات الثورة لبثِّ محتوى إعلامي يخدم أجندة النظام ويروِّج لأيديولوجيته القمعية، كبرنامج "الناس لبعضا" الذي كان يقدِّمه شادي حلوة الإعلامي الموالي للنظام البائد، حيث كانت الكاميرا التي تدور في الشوارع أداة تعبث بجراح أبناء الشعب السوري المفتوحة؛ وذلك من أجل استدرار التأثير العاطفي المباشر لدى الجمهور، فقد جرى التركيز على مشاهد الفقر والعجز والانكسار الإنساني بطريقة كرَّست صورة محدَّدة عن المجتمع، وجعلت الألم مادة مركزية في السرد الإعلامي، الأمر الذي يثير أسئلة أخلاقية حول الحدود الفاصلة بين نقل المعاناة واستثمارها إعلامياً. ومن هذا المنطلق، يتضح أنَّ مقابلات الشوارع ممارسة إعلامية تحمل في داخلها إمكانات متعددة للتأويل وإعادة التشكيل؛ لأنَّها لا تقتصر على تسجيل الواقع بقدر ما تسهم في بناء صورته داخل الوعي الجمعي. ومن هنا يبرز برنامج "التلفزيون والناس" الذي يقدِّمه الإعلامي عبد المعين عبد المجيد محافظاً على حضوره واستمراريته عبر مراحل زمنية وسياقات مختلفة، حيث يستمدُّ هذا البرنامج أهميته من قدرته على استثمار النوستالجيا الاجتماعية على اعتبارها آلية لإعادة ربط الجمهور بتاريخهم الإعلامي والثقافي المشترك، في مقابل واقع إعلامي سريع الإيقاع يستهلك اللحظة ويعيد إنتاجها بصورة متسارعة تفقدها عمقها وتأثيرها. إنَّ تفاعل الجمهور مع هذا البرنامج يرتبط بدرجة عالية بالانجذاب العاطفي تجاه مادته السهلة الممتنعة، إذ يلامس البرنامج مشاعر نابعة من صدق التجربة الإنسانية التي يعرضها، ومن قربه من الذاكرة اليومية للناس. فالحضور العفوي للشخصيات، واستدعاء الوجوه والقصص التي ارتبطت بمراحل زمنية سابقة أو معاصرة يمنح المشاهد إحساساً بالانتماء والاستمرارية، وكأنَّ البرنامج يعيد ترتيب العلاقة بين الفرد وذاكرته الخاصة داخل إطار جمعي أوسع. تكشف تجربة مقابلات الشوارع أنَّ هذا الشكل الإعلامي أداة فاعلة في تشكيل الوعي الاجتماعي وحفظ الخبرات الجماعية للأفراد، فالكاميرا التي تتحرَّك بين الناس قادرة على أن تكون وسيلة لإعادة إنتاج تصورات معينة عن الواقع تبعاً للزاوية التي تنظر من خلالها إليه. ولهذا تبدو البرامج التي تستند إلى الذاكرة الاجتماعية أكثر قدرة على بناء جسور بين الأجيال؛ لأنَّها تستحضر رصيداً مشتركاً من التجارب والصور والأصوات التي تشكل جزءاً من الهوية الثقافية للمجتمع.

المصدر