بابان لمشفى تشرين



تلفزيون سوريا: الاثنين, 22 حزيران 2026 الساعة 7 صباحاً

لم يكن افتتاح مشفى تشرين العسكري، في يوم ذكرى الحرب التي حمل اسمها في العام 1982، صدفة تخلو من الدلالة. فالمشفى الذي وضع حافظ الأسد حجر أساسه قبل ذلك بأكثر من سبع سنوات، كان إحدى حصائل الغلال التي تدفقت من دول الخليج العربي تبرعاً لدولة المواجهة بعد خوضها معركتها الشهيرة مع إسرائيل. ترجع كثير من المنشآت السورية العامة إلى سنوات السبعينيات تلك. ومنها، وربما أبرزها، مؤسسات عسكرية غير حربية تابعة لوزارة الدفاع، هدفت إلى دعم الجيش. وفي هذا السياق رغب الأسد في بناء مشفى كبير يقدم خدماته المجانية للضباط وأسرهم، ويُغني كبار المسؤولين عن العلاج في الخارج. ولذلك منح هذا المشروع ميزانية مفتوحة ووكّل به أناساً يجمعون بين الخبرة والثقة. وبالفعل كانت النتيجة مشفى ضخماً بأفضل التجهيزات الممكنة، درّب كوادره بالإيفاد إلى دول أوروبا الغربية المتقدمة، قبل أن تنحسر علاقاته أخيراً، خلال الثورة، إلى روسيا وإيران والصين. لم يلبّ المشفى طموح الأسد كلياً. على المستوى الداخلي ظل «مشفى الشامي» مفضلاً لدى كبار المسؤولين، إن لم يحتاجوا إلى «مشفى الجامعة الأميركية ببيروت» أو إلى إجراء عمليات دقيقة في أوروبا. في حين توجهت الطبقة العليا والوسطى السوريتين إلى العلاج في الأردن. لكن تشرين ظل خياراً جيداً جداً لعموم الضباط وذويهم. فبخلاف مشافي القطاع العام، التي تراكم فيها الإهمال وتراجعت الخدمات وسكنتها اللامبالاة وتفشى فيها الفساد، اتسم هذا المشفى العسكري بانضباط ملحوظ، وحوى عدداً كبيراً من الأطباء المميزين بتخصصات واسعة متشعبة، وكادراً تمريضياً معقولاً بالمعايير المحلية. وعندما أتيحت للسوريين فرصة توجيه التحيات، عبر فيسبوك، صار معتاداً أن تقرأ شكراً يوجهه ضابط لطبيب، ضابط هو الآخر بما أن أغلب قوام المشفى هم أطباء عسكريون، على العملية الناجحة التي أجراها له أو لوالده أو لوالدته... وقد أسهمت العوامل الأهلية في زيادة ألفة المكان لدى نزلائه الذين لم يعدم أكثرهم العثور على قريب أو ابن بلدة بين الكادر الضخم للمشفى، مما منحهم «واسطة» ولو بوظيفة ممرضة. وطوال عقود من العمل ترك هذا «الصرح الطبي» انطباعات إيجابية بين أوساط بيئات الضباط بينما ظل غريباً عن معظم المدنيين. في سجن صيدنايا فكانت النصيحة المتداولة بين المعتقلين هي عدم طلب التحويل إلى مشفى تشرين، والتماسك أمام الطبيب لئلا يرسلهم إليه؛ لأن أكثر من ذهبوا إلى هناك لم يرجعوا، ومن عاد روى تجربة مريعة تعرض لها من قبل الأطباء وجهاز التمريض.   في العام 2011 قامت الثورة السورية وقوبلت بالرصاص ثم بالقصف، مما فرض الحاجة إلى إسعاف المصابين، وهي المهمة التي كان النظام يفضّل القيام بها لاعتقالهم واستجوابهم. فتصدرت المشافي العامة، الموالية بطبيعة الحال، لهذا الدور، وفي مقدمتها المشافي العسكرية، وعلى رأسها مشفى تشرين. وفي أثناء ذلك أتيح للأطباء وللكادر وللموظفين أن يعبّروا عن موقفهم «الوطني» من الخونة «المندسين» الذين يقعون بين أيديهم؛ إهانة وإيلاماً وتعذيباً وحتى قتلاً. مما تثبته شهادات الناجين من براثن هذه المشافي وإفادات المنشقين عنها. وفي مشفى تشرين أنشئ قسم إسعاف بديل للمعتقلين، روعي في اختيار كادره العامل الطائفي، لكن موقعه المركزي من «إدارة الخدمات الطبية» العسكرية أناط به مهمتين جسيمتين أخريين في المعركة التي كان يخوضها النظام، هما تنظيم شهادات وفاة «طبيعية» لمن يُقتلون في الأفرع الأمنية وسواها، و«علاج» المحوّلين من نزلاء سجن صيدنايا ما لم يتكفل بهم أطباؤه. تولت شعبة الطب الشرعي في المشفى المهمة الأولى، بتنظيم الشهادات قبل تحميل الجثث في سيارات قلاب مخصصة للنقل إلى المقابر الجماعية. وعندما بدأت الأجهزة الأمنية بنقل ضحاياها بنفسها إلى تلك المقابر صارت شعبة الطب الشرعي تتلقى سجلاً بأسماء هؤلاء لتفبرك شهادات وفاتهم من دون حتى أن يمروا عليها. وخلال السنوات أصدرت الشعبة آلاف الشهادات المزورة بتشخيص «توقف قلب وتنفس». أما في سجن صيدنايا فكانت النصيحة المتداولة بين المعتقلين هي عدم طلب التحويل إلى مشفى تشرين، والتماسك أمام الطبيب لئلا يرسلهم إليه؛ لأن أكثر من ذهبوا إلى هناك لم يرجعوا، ومن عاد روى تجربة مريعة تعرض لها من قبل الأطباء وجهاز التمريض. لكن أسوأ الشهادات هي تلك التي تحدثت عما كان يجري في نظارة المشفى، وهي غرفة صغيرة يودع فيها السجناء قبل إدخالهم إليه وبعد خروجهم منه إن كُتبت لهم النجاة. تقع هذه النظارة في صلاحيات إدارة «الشرطة العسكرية»، ويتحكم فيها صف ضابط برتبة مساعد. ولأنها تبعد عن المدخل المخصص للسجناء مقدار 150-200 متر من طريق مفروش بالحصى؛ كان على طاقم النظارة أن يجرّوا من لا يستطيعون المشي طوال هذه المسافة. إلى أن وجد المساعد وسيلة لتخفيف الأعباء وهي فحص المجموعة القادمة وفرزها بين من تبدو عليهم معالم الحياة ويستطيعون المشي وبين من سيضطر إلى سندهم وجرّهم من المشرفين على الموت، ثم تكليف أفراد من المجموعة الأولى بخنق كل المجموعة الثانية بعصا وقماشة معدّتين لذلك. وحين يكون من بين الأولين عناصر من «الدفاع الوطني» الموالي، سُجنوا بسبب ارتكابهم مخالفات جسيمة؛ كانت المهمة سهلة. أما عندما لا يوجدون فكان يختار من بين «الأصحاء» من سجناء الثورة «شاويشاً» ومعاوناً له يكلفهما بالجريمة تحت طائلة قتلهم هم أنفسهم، وبإغراء منحهم كمية من الطعام الذي كانوا يتضورون احتياجاً له. وغالباً ما كانوا يستجيبون! أعيد مؤخراً نشر تسريبات عن الانتهاكات الوحشية في مشفى تشرين، ثم بُثت اعترافات أطباء انتزعوا كبد أحد المعتقلين، وتركوه للموت، لصالح مريض مدعوم توفي هو الآخر. ومثل كل شيء في سوريا الحالية وقع الانقسام بين طرفين. يرى الأول منهما أن كل ذلك مفبرك بغاية شيطنة المشفى لأنه من منجزات عهد حافظ الأسد، واستهداف أطبائه لدوافع طائفية على الرغم من أنهم من «ألمع الأدمغة». أما الثاني فيؤكد على أن الشهادات على الانتهاكات الممنهجة في المشفى عديدة جداً، ويقول إن المحاسبة تكون على الجريمة لا على معدل الـIQ.

المصدر