
تلفزيون سوريا: الاثنين, 22 حزيران 2026 الساعة 12 مساءً
في أسواق المنطقة، نادرًا ما تنتقل دولة ما من خانة (ملف مخاطر استثمارية مرتفعة) إلى خانة (فرص محتملة) في الخطاب الاقتصادي خلال فترة زمنية قصيرة نسبيًا، لكن الأندر من ذلك هو أن يحدث هذا التحول المرن قبل أن تكتمل كل عناصر الاستقرار التقليدية، أو تتبلور الصورة النهائية للمشهد الاقتصادي بكامله.
تقف سوريا اليوم في قلب هذا النوع من التحولات غير المكتملة؛ ففي الوقت الذي ما تزال فيه بعض التحديات الهيكلية قائمة، بدأت صورة مختلفة تتشكل بهدوء في النقاشات الاقتصادية العربية: صورة سوق لم تعد تُناقش فقط من زاوية الكلفة والمخاطر، بل من زاوية الإمكانات، والمزايا، واتجاه الحركة المستقبلية.
وهذا التحول لا يأتي من فراغ، بل من تغير تدريجي في "طريقة قراءة سوريا" داخل الدوائر الاقتصادية الإقليمية: من اقتصاد كان يُنظر إليه كحالة استثنائية مرتبطة بالأزمة، إلى اقتصاد يُعاد إدخاله تدريجيًا ضمن خرائط الفرص الواعدة في الشرق الأوسط.
هذا السؤال أصبح أكثر حضورًا في الحالة السورية مؤخرًا؛ ففي مجالس الأعمال، والمؤتمرات الاستثمارية، أو الحوارات الثنائية، لم يعد الحديث محصورًا في التحديات البنيوية للاقتصاد السوري، بل توسع ليشمل قطاعات حيوية تمثل مساحات نمو استراتيجية: الطاقة، والبنية التحتية، والخدمات اللوجستية، والاتصالات، والتكنولوجيا، والصناعات التحويلية.
ضمن هذا السياق، لا يبدو أن المستثمر العربي يتعامل مع سوريا كسوق جديدة بالمعنى التقليدي، بل كامتداد اقتصادي مألوف تاريخيًا وتجاريًا. هذه النقطة تحديدًا تمنح القراءة العربية للفرص السورية طابعًا مختلفًا عن قراءات المستثمرين من خارج المنطقة؛ حيث لا تبدأ المعرفة هنا من الصفر، بل من ذاكرة اقتصادية وتجارية ممتدة. ولهذا، فإن عودة سوريا إلى دائرة الاهتمام لا ترتبط فقط بتغير الظروف العامة، بل بتغيّر زاوية النظر الإقليمية إليها.
فعندما يبدأ المستثمر في إعادة تقييم أي سوق، فإنه عادة لا يسأل أولًا: "ما حجم المخاطر؟"، بل يسأل: هل بدأت اتجاهات السوق تتغير بشكل يمكن البناء عليه؟
هذا السؤال أصبح أكثر حضورًا في الحالة السورية مؤخرًا؛ ففي مجالس الأعمال، والمؤتمرات الاستثمارية، أو الحوارات الثنائية، لم يعد الحديث محصورًا في التحديات البنيوية للاقتصاد السوري، بل توسع ليشمل قطاعات حيوية تمثل مساحات نمو استراتيجية: الطاقة، والبنية التحتية، والخدمات اللوجستية، والاتصالات، والتكنولوجيا، والصناعات التحويلية.
في قطاع الطاقة، لا يُنظر إلى الفرصة باعتبارها مجرد إعادة تشغيل لمنظومة قائمة، بل كإعادة بناء تدريجية لسلسلة إنتاج وتشغيل تتطلب استثمارات طويلة الأجل، وشراكات تقنية ومالية متقدمة.
وفي قطاع التكنولوجيا والخدمات الرقمية، ومع وجود كفاءات سورية واسعة الانتشار في الأسواق الإقليمية والدولية، اكتسبت خبرات عملية في بيئات تنافسية متقدمة، يصبح إعادة ربط هذه الخبرات بالسوق المحلية قيمة استراتيجية بشرية ضخمة.
هذا الزخم يظهر بوضوح في انتقال الأسواق من مرحلة (التردد الكامل) إلى مرحلة (إعادة التقييم الفعلي لفرص الدخول)، متزامنًا مع إعادة تشكيل سلاسل الإمداد ومراكز الثقل الاقتصادي في الشرق الأوسط ككل، وهو ما يفتح الباب أمام إعادة إدراج أسواق كانت خارج الحسابات خلال الفترة الماضية.
وهنا تحديدًا يظهر التحول والتطور الأهم: الانتقال من سؤال "هل يمكن الاستثمار في سوريا؟" إلى سؤال أكثر دقة: "في أي قطاعات يمكن أن يبدأ الاستثمار؟ وبأي نموذج شراكة؟".
ضمن هذا المشهد، لا تظهر سوريا كسوق "مكتملة الجاهزية"، بل كسوق "قيد إعادة التكوين". وهذا النوع من الأسواق لا يجذب كل أنواع المستثمرين، لكنه يجذب عادة نوعين محددين: المستثمر الطويل الأفق، والمستثمر القادر على العمل في بيئات انتقالية.
في الحالتين، العامل الحاسم ليس اكتمال الصورة، بل وضوح الاتجاه.
وهنا يمكن فهم طبيعة الاهتمام المتزايد اليوم: ليس بوصفه حكمًا نهائيًا على الوضع الاقتصادي، بل بوصفه قراءة أولية لاتجاه محتمل يعاد تشكيله.
حيث إن الأسواق لا تتحول إلى وجهات استثمارية لأنها أصبحت خالية من المخاطر، بل لأنها بدأت تُظهر مؤشرات كافية على أن المخاطر نفسها أصبحت قابلة للإدارة ضمن إطار اقتصادي استثماري واضح، رسم ملامحه المرسوم رقم (114) لعام 2025، ليمثل الاستجابة التشريعية المباشرة لهذه التطلعات، موجهًا رسالة طمأنة واضحة مفادها أن المخاطر باتت قابلة للإدارة ضمن إطار قانوني حديث ومستقر.
ومع وجود إطار تشريعي كالمرسوم 114 لعام 2025، يضمن الحقوق ويمنح الحوافز، يتحول السؤال الجوهري للمستثمر من تساؤل عن إمكانية العودة إلى تساؤل حاسم حول كيفية الدخول وتوقيته؛ حيث تكون ميزة الدخول المبكر وصياغة نماذج الشراكة الجديدة أكثر أهمية من انتظار اكتمال الصورة الكلية.
فقد نجح المرسوم الجديد في تقديم حزمة متكاملة تهدف إلى مواكبة وتسهيل تدفق هذه الاستثمارات عبر ركائز أساسية؛ حيث قدم المرسوم ضمانات صارمة غير مسبوقة للمستثمر وأمواله، مانعًا أي إجراءات احترازية أو نزع للملكية إلا بقرارات قضائية قطعية، مع كفالة حق تحويل الأموال الخارجية والتعويضات إلى الخارج بسلاسة. وألغى فرض أي أعباء مالية أو إجرائية مفاجئة لم تكن موجودة في الدليل الإجرائي لحظة تقديم الطلب، مما يحمي الجدوى الاقتصادية للمشاريع من التغيرات المفاجئة، ووضع سقفًا زمنيًا ملزمًا للبت في منح إجازة الاستثمار، متضمنة كل التراخيص، مدعومًا بمركز خدمات المستثمرين الذي يضم مفوضين من جميع الوزارات لإنهاء البيروقراطية الإدارية، إضافة إلى فتح الباب أمام إعفاءات واسعة تصل إلى حد الإعفاء التام من ضريبة الدخل لقطاعات كالإنتاج الزراعي والحيواني، وتخفيضات هائلة لقطاعات الصناعات الطبية، وتدوير النفايات، والمنشآت التنموية، بجانب إعفاء مستوردات الآلات وخطوط الإنتاج تمامًا من الرسوم الجمركية والمالية.
ومع وجود إطار تشريعي كالمرسوم 114 لعام 2025، يضمن الحقوق ويمنح الحوافز، يتحول السؤال الجوهري للمستثمر من تساؤل عن إمكانية العودة إلى تساؤل حاسم عن كيفية الدخول وتوقيته؛ إذ تكون ميزة الدخول المبكر وصياغة نماذج الشراكة الجديدة أكثر أهمية من انتظار اكتمال الصورة الكلية.
وربما في هذا التحول تحديدًا، تبدأ عادة المراحل الأولى لأي دورة استثمارية جديدة تُبنى على إعادة تسعير المخاطر قبل إعادة تسعير الفرص، وسوريا تفتح أبوابها اليوم، والتشريع الجديد رسم خط البداية الواضح.
المصدر