ليسوا ضيوفا عابرين.. السوريون يتركون أثرا في المجتمع المصري



تلفزيون سوريا: الاثنين, 22 حزيران 2026 الساعة 3 مساءً

لم يكن وجود السوريين في مصر خلال السنوات الماضية مجرد حكاية لجوء أو انتقال سكاني فرضته ظروف حرب النظام المخلوع عليهم، فمع مرور الوقت، تشكّلت علاقات اجتماعية وإنسانية عميقة بين السوريين والمصريين، تجاوزت حدود العمل والتجارة والمدارس، لتصل إلى تفاصيل الحياة اليومية داخل البيوت. فكما حمل السوريون معهم إلى مصر عاداتهم وأطعمتهم وأساليب حياتهم، تأثروا بدورهم بالكثير من العادات المصرية، في تجربة يمكن وصفها بأنها واحدة من أبرز نماذج التفاعل الثقافي والاجتماعي بين شعبين عربيين تجمعهما روابط تاريخية وثيقة. ومن المطبخ إلى اللباس، ومن النزهات العائلية إلى ثقافة العمل والعلاقات الاجتماعية، ترك السوريون بصمات صغيرة لكنها واضحة في حياة كثير من المصريين الذين عاشوا إلى جوارهم أو عملوا معهم أو ربطتهم بهم صداقات امتدت لسنوات. المطبخ السوري يدخل البيوت المصرية قد يكون الطعام أول ما يتبادر إلى ذهن المصريين عند الحديث عن السوريين، لكن التأثير لم يتوقف عند مطاعم الشاورما والحلويات التي انتشرت في مختلف المدن المصرية. "مرام"، وهي سيدة مصرية تقيم في مدينة العبور قرب القاهرة، تقول إن علاقتها بإحدى الأمهات السوريات في مدرسة ابنتها بدأت بشكل عادي، قبل أن تتحول إلى صداقة عائلية وثيقة. وتوضح، في حديث خاص لموقع تلفزيون سوريا، أن أكثر ما جذبها في البداية كان الطعام الذي كانت تحضّره صديقتها السورية في المنزل. تقول مرام إن أطباقاً مثل (الشاكرية والكبة اللبنية والكوسا باللبن) كانت جديدة تماماً بالنسبة إليها، لأن المطبخ المصري لا يعتمد على اللبن "الزبادي" المطبوخ بالطريقة نفسها المعروفة في المطبخ السوري. ومع مرور الوقت، لم تعد هذه الأطعمة مجرد وجبات تتذوقها عند زيارة صديقتها، بل أصبحت جزءاً من قائمة الطعام داخل منزلها. وتضيف ضاحكة: "في البداية كنت أستغرب فكرة الطبخ باللبن، أما اليوم فأولادي يطلبون الكبة اللبنية أكثر من بعض الأكلات المصرية". ولم يتوقف الأمر عند ذلك، إذ تعرّفت مرام إلى اليالنجي والتبولة والفتوش وأنواع مختلفة من المقبلات السورية، فيما تعلمت لاحقاً إعداد المكدوس الذي أصبح ضيفاً دائماً على مائدة الإفطار في منزلها. وتقول إن أكثر ما أعجبها في الطعام السوري هو ارتباطه بالجلسات العائلية وطقوس التحضير الجماعي، حيث تتحول بعض الأكلات إلى مناسبة اجتماعية بحد ذاتها. اقرأ أيضاً "الإيشارب" السوري مثالاً.. الأزياء السورية تنتشر في المجتمع المصري "السيران".. عادة سورية وجدت طريقها إلى المصريين ومن بين العادات التي انتقلت من السوريين إلى عدد من العائلات المصرية، عادة "السيران" أو قضاء يوم كامل في الطبيعة مع إعداد الطعام والشواء. وتقول سيدة سورية تقيم في مدينة العبور إنها اعتادت منذ سنوات الخروج مع عائلتها إلى الحدائق العامة أو المساحات المفتوحة مرة واحدة شهرياً على الأقل. وكانت العائلة تحضر معها اللحوم أو الكبة وبعض الأطعمة المنزلية، وتقضي يوماً كاملاً في الهواء الطلق، ومع الوقت، بدأت إحدى العائلات المصرية المجاورة بمشاركتهم هذه النزهات. وتقول شابة من هذه العائلة تدعى "هند" إن الفكرة كانت جديدة بالنسبة إليها في البداية، لكنها سرعان ما تحولت إلى عادة عائلية. وتضيف أن عائلتها أصبحت أيضاً تستأجر، خلال فصل الصيف، مزرعة أو فيلا ليوم كامل في منطقة عرابي قرب العبور أو على طريق الإسكندرية الصحراوي، بدلاً من قضاء معظم الوقت في المراكز التجارية والمطاعم. وترى أن هذه التجربة تمنح الأطفال مساحة أكبر للعب، كما توفر خصوصية أكبر للعائلات. وتوضح أن السوريين ساعدوا، بشكل غير مباشر، على نشر ثقافة الجلسات العائلية الطويلة في المساحات المفتوحة، بعيداً عن صخب الأماكن المغلقة. اقرأ أيضاً بعد العودة إلى سوريا.. لماذا يفكر بعض السوريين في العودة مجددا إلى مصر؟ حتى الزواج والعلاقات الأسرية وتقول "سارة،" وهي شابة مصرية في الثلاثين من عمرها، إنها كانت تستمع دائماً إلى صديقاتها السوريات وهن يتحدثن عن عادات الزواج في سوريا، حيث تعجبها عادات السوريين أكثر، وتحب أن تتزوج وفقاً لها. وتوضح أن أكثر ما لفت انتباهها هو طبيعة توزيع المسؤوليات، إذ جرت العادة في كثير من البيئات السورية على أن يتحمل الشاب الجزء الأكبر من تكاليف تجهيز بيت الزوجية، بما يشمل تأمين المنزل والأثاث والأجهزة الأساسية ومتطلبات السكن. أما في مصر، فتختلف العادات من منطقة إلى أخرى، لكن من الشائع في كثير من الأسر أن تتقاسم عائلتا العروس والعريس أعباء تجهيز المنزل، حيث يساهم كل طرف بجزء من الأثاث أو الأجهزة أو مستلزمات السكن وفقاً للأعراف المتبعة. وتقول سارة إن هذه الفروقات كانت محور نقاشات متكررة بينها وبين صديقاتها السوريات، لأنها تعكس اختلافات اجتماعية وثقافية في فهم الأدوار الأسرية والمسؤوليات المرتبطة بالزواج. وتضيف أن اختلاف العادات لا يعني أن إحداها أفضل من الأخرى، لكنه يفتح المجال للتعرف إلى تجارب اجتماعية متنوعة وتبادل وجهات النظر حولها، خاصة مع تزايد العلاقات الاجتماعية والصداقات بين السوريين والمصريين خلال السنوات الماضية. اقرأ أيضاً

المصدر