
تلفزيون سوريا: الخميس, 27 آب 2026 الساعة 10 مساءً
ما زالت ثنائية "الحاكم السيّد والمحكوم التابع" مستقرة في اللاوعي الجمعي، وما زال كثير من السوريين يرون أن هذه الثنائية حتمية تاريخية، لذلك تراها تتحكم بآرائهم وتوجهاتهم وسلوكهم. وإلا ما معنى أن يهتف معلمون مطالبون بتجديد عقودهم أمام وزارة التربية السورية قبل بضعة أيام: "عاشت سوريا الشرع"؟
هذا الشعار ليس ابتكارا مرتجلا، ولا هو وليد اللحظة. إنه نتاج نسق من العادات والاستعدادات المكتسبة. لذلك فهو يستدعي بطريقة مباشرة شعار "سوريا الأسد" الذي تداوله السوريون خلال أكثر من نصف قرن. ومن خلال دراسة الشعارين، يمكن القول إن الهتاف الأخير بمثابة محاولة رشوة آنية مبتذلة ومكشوفة، ولا مبرر لها اليوم في سوريا الجديدة، لتحقيق مطالب يمكن الحصول عليها -ربما- عبر رفع شكوى خطية أو حتى من خلال منشور عابر على "فيس بوك".
أما شعار "سوريا الأسد" فهو نتاج لعملية تشريط اجتماعية طويلة الأمد، تؤدي إلى منطق موضوعي لعملية التشريط ذاتها حيث يجعلنا هذا المنطق الآلي مؤهلين لإعادة إنتاج شروط وجودنا الخاصة بطريقة خفية ولا شعورية تمنعنا بذكاء كبير من إدراك شروط وجودنا الموضوعية، إذ لا يوجد أحد في سوريا لم يسمع بهذا الشعار: "سوريا الأسد"، وقد لا ينتبه أحد إلى أن هذا الشعار رغم حمولته الدلالية فهو لا يحتاج إلى كفاءة تأويلية، لأنه بكل بساطة، ووضوح، يقطع مع الماضي، ويؤبّد الراهن.
وكأن "سوريا" قبل الأسد لم تكن موجودة، ووجودها الراهن والمستقبلي مرتبط بوجوده!
المتماهون مع سلطة الاستبداد، والمشرفون على نشر هذا الشعار- باعتباره بنية مغلقة ذات معنى واحد، ونهائي- لم يأخذوا بعين الاعتبار القارئ الفرد، أو السامع، بوصفه طرفا في إنتاج المعنى، وبناء الدلالة، بل اعتمدوا على الحشد، أو الجمهور. فالحشود لا تحاكم الشعارات التي ترددها ولا الهتافات التي تهتف بها. ومن خلال تكرار الهتاف بأي شعار يصبح من الممكن تحميله أبعاداً دلالية تفتح معناه على وظائف متعددة، وخاصة هذا الشعار بالذات. فهو لم يتشكل في فراغ، ولم ينشأ مستقلا بذاته، بل هو نتيجة تفاعل لغوي مع نصوص كثيرة " شعرية ونثرية" على مستوى الأدب، و"خطابية" على المستوى السياسي.
فالدائرة الإعلامية المعنية بترويج اسم الأسد، لم تكتف بصفته الرسمية (رئيس الجمهورية العربية السورية)، لأنه من خلال تلك الصفة يرسخ في الأذهان أن نظام الحكم جمهوري، ويصبح توريث الحكم أكثر صعوبة، وبنفس الوقت يتساوى مقامه ومكانته مع مقام ومكانة أي رئيس آخر. لذلك ميزوه عن سواه بصفات أخرى، فكان الرئيس والزعيم والمناضل والمفكر والقائد. وبالتالي فإن شعار "سوريا الأسد" لا يستند على وظيفة الأسد الرسمية، بل على صفاته الشخصية التي كرسها الإعلام من خلال نشرها إذ أنها أصبحت موجودة في كل مكان، ومن خلال تكرارها على الأسماع فالدماغ حسب علم النفس الادراكي يألف المعلومات بعد تكرارها، ومن خلال هذه الألفة تضيع الفروق بين المعلومات المألوفة، والمعلومات الصحيحة، لذلك يمكن القول إن هذا الشعار أصبح وكأنه من المسلمات، وخاصة على ألسنة العامة. فهو كنص قد تم التعامل معه دون تحليل العناصر المكونة له، وبيان العلاقات التي تربط بينها. والوقوف على الانطباعات التي يثيرها، وكأن سوريا التاريخ، سوريا الحضارة، سوريا الجغرافية، سوريا الناس؛ على اختلاف قومياتهم وعقائدهم وطوائفهم وتوجهاتهم، كل تلك العناصر السورية، تم جمعها في إطار اسمه "الأسد"، وأصبح وجودها مرتبط بوجود هذا الإطار، لا بل وكأنه لا وجود لسوريا خارج هذا الإطار.
وأصبح من المحرمات دراسة العلاقة السببية بين تلك العناصر وإطارها، فتنامى الخوف بين السوريين، نتيجة الاستقراء الناقص، والمبالغة في التعميم. فتقلصت مساحة المراجعة أو الاختيار أو الرفض، ولم يعد لذلك الخوف من علاج سوى المغالاة في الولاء للسلطة الحاكمة، على حساب الرغبة في الخلاص.
***
تلك مظاهر خارجية لصراعات نفسية داخلية معقدة، قائمة على المبالغة في الإدراك الحسي. ومن نتائج الإدراك الحسي في علم النفس أنه يجعل الناس أسيرة لأوهامها.
ولتقعيد هذا الشعار وغيره من شعارات تلك الحقبة، تحولت سوريا إلى مجموعة مناسبات تقتضي مسيرات جماهيرية، ومهرجانات خطابية، على حساب الحاجات الحقيقية التي تنهض بها الدول المتقدمة. والقائمون على ذلك يعرفون أن الصورة أهم من الحقيقة، وأن تلك المهرجانات لا تغير الواقع، بل تغير بشكل مؤقت إحساس الناس به. وهذه طريقة قديمة لإدارة السخط الاجتماعي. أو ما يسمى (خبز وسيرك)1.
هذا الخلل كان نتاج نوع خاص من القمع يسمى العنف المعنوي أو العنف الناعم أو كما يسميه عالم الاجتماع الفرنسي بيير بورديو "العنف الرمزي". وهذا العنف بعد أن استقر في الوعي الجمعي تحول مع الزمن إلى أمراض نفسية كانت نتائجها وبالا على تطلعات الشعب السوري وأحلامه
يقول "المهدي المنجرة" في كتابه (الإهانة في عهد الميغا-إمبريالية)، إن "أخطر ما يصيب المجتمعات، ليس الفقر، بل التكيف مع الإهانة. أن يتأقلم المواطن، ويصفق، وشروط كرامته غائبة. عندئذ يكون المجتمع قد انتقل من خلل السياسة إلى خلل الوعي"2.
هذا الخلل كان نتاج نوع خاص من القمع يسمى العنف المعنوي أو العنف الناعم أو كما يسميه عالم الاجتماع الفرنسي بيير بورديو "العنف الرمزي"3.
هذا العنف، بعد أن استقر في الوعي الجمعي، تحول مع الزمن إلى أمراض نفسية، كانت نتائجها وبالا على تطلعات الشعب السوري وأحلامه. إذ أن العنف الرمزي يعد مؤسسا وحاضنا للعنف المادي.
في المقابل هناك فريق آخر من أزلام النظام كان يشتغل على اختراق منظومة القيم الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، لإعادة إنتاج ثقافة المجتمع والتحكم بتوجهاته من خلال إعادة ترتيب صورة سورية وفق سردية لغوية قائمة على الاتهام والاستباق والحذف والتكرار والاسترجاع، وهذه الأدوات أساسية لبناء الحكاية في ذهن المتلقي كما تقول الدراسات. إذ أن شعارا بهذه الكثافة "سوريا الأسد" يقتضي التأييد والتأبيد. توفرت أدوات التأييد، وكذلك القدرة على فرضه، وتحول التأبيد هو الآخر إلى شعار. لتكريس صورة "الزعيم/ الإله"، ويصبح من الصعب أو المستحيل تصور سوريا بدون الأسد.
وأصبحت هذه الحكاية هي الرصيد الثقافي لعدد من الكتاب والصحفيين والمحللين والمتكلمين، وهذا العدد قابل للزيادة المّطردة التي امتدت واحتلت وزارة الإعلام، واتحاد الكتاب العرب، واتحاد الصحفيين. وبدأت تتضح الحدود، بين رواة تلك الحكاية ومنظريها، وبين سواهم، من خلال الرصيد الاجتماعي لكل منهم.
ومن حسن الحظ أن القائمين على تلك السردية ليسوا على علم بنظرية التلقي التي تقول إن النص لا يكتمل إلا بفعل القراءة. لذلك لم تجد هذه السردية مراحها القرائي.
اتضح ذلك جليا بعد عام 2011 إذ لم تخرج هذه السردية التي اشتغلوا عليها نصف قرن، وتحتل مكانتها المؤثرة في الحوارات على المستوى الإعلامي أو على المستوى الثقافي، فحدث ما يسمى بعلم النفس الاجتماعي (التنافر المعرفي)4.
عندها، لجأ النظام لاتهام مناوئية بالخيانة، واستولد شعار "الأسد أو نحرق البلد"، وهو الشعار المقابل لشعار "سوريا الأسد".
هذا المصطلح ورد في قصيدة الشاعر الروماني جوفينال الذي عاش في أواخر القرن الأول الميلادي، ويستخدم في نقد سياسة الالهاء المنظم الذي تقوم به الحكومات لإبعاد الناس عن التفكير بالشأن العام.
المهدي المنجرة (1933-2014) عالم اجتماع مغربي مختص في الدراسات المستقبلية.
العنف الرمزي هو مفهوم سوسيولوجي يعني القدرة على فرض دلالات ومعان معينة بوصفها شرعية، وإخفاء علاقات القوة التي تمثل الأساس الذي ترتكز عليه.
الإنكليزي ليون فيستنغر- عالم نفس اجتماعي (1919-1989) صاحب نظرية التنافر المعرفي .
المصدر