أرقام أُلغيت من الورق ولم تُلغَ من عقول الناس.. العملة الجديدة تربك السوريين



تلفزيون سوريا: الجمعة, 28 آب 2026 الساعة 6 صباحاً

حين طلب سائق سيارة أجرة من أم ربيع 170 ليرة جديدة، فوجئت بالمبلغ واعترضت على دفعه، قبل أن يوضح لها أن الأجرة تعادل 17 ألف ليرة وفق العملة القديمة. تقول: "الأمر ليس بهذه السهولة لنستوعبه فوراً". تلخّص هذه الحادثة جانباً من الإرباك الذي رافق انتقال السوريين إلى التعامل بالعملة الجديدة بعد حذف صفرين من قيمتها الاسمية. فعلى الورق، تبدو المعادلة بسيطة: كل 100 ليرة قديمة تساوي ليرة واحدة جديدة، من دون أي تغيير في القيمة الشرائية. لكن الأرقام التي اختفت من الأوراق النقدية لم تختفِ بالسرعة نفسها من ذاكرة الناس، وبقي كثيرون يحسبون الأسعار والأجور وفق المقياس القديم قبل تحويلها ذهنياً إلى الجديد. ومع انتهاء مرحلة التداول بالعملتين، في 30 تموز/يوليو الماضي، تحوّل التبديل النقدي من إجراء تقني إلى اختبار يومي لقدرة الأسواق والمستهلكين على التأقلم، ولا سيما كبار السن وأصحاب المحال الصغيرة ومن اعتادوا، على مدى سنوات، التعامل بأرقام تصل إلى مئات الآلاف والملايين. من مليون إلى 10 آلاف ليرة بدأت عملية استبدال العملة مطلع عام 2026، ودخلت الأوراق الجديدة التداول في الثالث من كانون الثاني/يناير، بعد حذف صفرين من الفئات القديمة. وبموجب معيار التحويل، أصبح كل مليون ليرة قديمة يعادل 10 آلاف ليرة جديدة، مع بقاء القوة الشرائية على حالها. وكانت الفترة الأولى المحددة للتداول المزدوج 90 يوماً قابلة للتمديد، قبل أن يمددها مصرف سوريا المركزي أكثر من مرة حتى نهاية يوم 30 تموز/يوليو. وخلال تلك المرحلة، احتفظت العملة القديمة بقوتها القانونية، غير أن بعض الباعة والمواطنين امتنعوا عن قبولها قبل انتهاء المهلة، ما زاد ارتباك المتعاملين وضيّق خياراتهم في البيع والشراء. ومنذ 31 تموز/يوليو، فقدت الأوراق القديمة قوتها الإبرائية، ولم تعد صالحة قانوناً للتداول أو لإجراء المعاملات المالية. ومع ذلك، لا يزال بإمكان حامليها تقديم طلبات لسحب قيمتها خلال خمس سنوات، ولكن حصراً لدى مصرف سوريا المركزي في دمشق، وليس عبر فروع المصارف الأخرى. واشترط المصرف ألا يقل الطلب عن 100 ورقة نقدية من أي فئة، على أن تُحوّل القيمة المستحقة، بعد التدقيق والموافقة، إلى حساب مصرفي محدد بالليرة الجديدة، من دون عمولات أو رسوم أو ضرائب. ويعني هذا الشرط أن من بقيت لديه أعداد محدودة من الأوراق القديمة قد لا يتمكن عملياً من استرداد قيمتها منفرداً. اقرأ أيضاً بعد حذف الأصفار.. سوريون يواجهون اضطراب الليرة بالذهب تجربة تركية مكتملة ومسار إيراني طويل تظهر تجارب دول أخرى أن حذف الأصفار قد ينجح في تبسيط المعاملات، لكنه لا يشكل، بمفرده، علاجاً للتضخم أو تراجع قيمة العملة. ففي عام 2005، حذفت تركيا ستة أصفار من الليرة، لكن الخطوة جاءت بعد برنامج استقرار اقتصادي وإصلاحات مالية ونقدية خفّضت التضخم من مستويات مرتفعة إلى خانة الآحاد. ولهذا، ارتبط نجاح التجربة بالسياسات التي سبقت إعادة تقييم العملة ورافقتها، وليس بمجرد اختصار الأرقام المطبوعة على الأوراق النقدية. أما في إيران، فطُرحت منذ عام 2020 خطط لحذف أربعة أصفار، لكنها تعثرت لسنوات قبل إقرار صيغة قانونية جديدة دخلت حيز التنفيذ أواخر عام 2025. وتنص الخطة الحالية على أن يعادل كل ريال إيراني جديد 10 آلاف ريال قديم، مع الإبقاء على اسم "الريال" واعتماد "القِران" وحدة فرعية، ضمن مرحلة تحضيرية تمتد حتى نهاية 2027، تليها فترة تداول مزدوج لثلاث سنوات قبل سحب العملة القديمة بالكامل بحلول 2030. ويعكس المسار الإيراني أن إعادة تسمية القيم النقدية أو اختصارها لا توقف تآكل القوة الشرائية ما لم تترافق مع معالجة أسباب التضخم واختلالات الاقتصاد والسياسة النقدية. تبسيط الأرقام لا ينهي الأزمة أنهى مصرف سوريا المركزي المرحلة الأساسية من عملية الاستبدال وسحب العملة القديمة من التداول، لكن انتهاء الإجراء التقني لم ينهِ التحول الاجتماعي والنفسي المرتبط به. فالسوريون الذين اعتادوا، خلال سنوات التضخم، تسعير حاجاتهم بمئات الآلاف والملايين، يحتاجون إلى وقت أطول حتى تصبح الأرقام الجديدة معيارهم التلقائي في الحساب. ونجح حذف الصفرين في تقليل حجم الأوراق المحمولة وتسهيل عد النقود وتسجيل الأسعار، كما حمل الإصدار الجديد دلالة رمزية عبر التخلي عن صور الأسد ورموز تمجيد الحاكم. إلا أن غياب فئة تعادل 500 ليرة قديمة كشف خللاً عملياً في التعاملات الصغيرة، ودفع السوق إلى حلول عينية لا يمكن أن تشكل بديلاً دائماً عن استكمال هيكل الفئات النقدية. وبين سهولة الأرقام الجديدة وثقل العادات القديمة، يبقى نجاح التحول مرهوناً بما يتجاوز شكل الأوراق وعدد الأصفار عليها؛ من توفير الفئات الصغيرة، وتوسيع وسائل الدفع الإلكتروني، وتعزيز التوعية، إلى تبني سياسات اقتصادية تحمي القوة الشرائية وتحد من ارتفاع الأسعار. أما في الشارع، فلا يزال السؤال يومياً وبسيطاً: هل السعر المكتوب بالليرة القديمة أم الجديدة؟ وهو سؤال يكشف أن الصفرين أُلغيا بقرار، لكن محوهما من عقول الناس يحتاج إلى وقت أطول.

المصدر