
تلفزيون سوريا: الجمعة, 28 آب 2026 الساعة 5 صباحاً
لم يعد الفروج في سوريا وجبة يومية متاحة لمعظم الأسر كما كان في سنوات سابقة، فقد تحول بفعل الارتفاع الحاد في أسعاره، إلى سلعة يضطر كثير من السوريين إلى حساب كلفتها قبل وضعها على موائدهم. وبينما عجزت شرائح واسعة عن شراء اللحوم الحمراء بسبب أسعارها المرتفعة، كان الفروج يمثل البديل الأكثر حضوراً، ومصدراً رئيسياً للبروتين الحيواني بالنسبة إلى الأسر محدودة ومتوسطة الدخل.
وخلال الفترة الأخيرة، شهدت أسواق سورية ارتفاعاً كبيراً في أسعار الفروج ومشتقاته، بالتزامن مع انخفاض الإنتاج وتراجع أعداد المربين وارتفاع تكاليف الأعلاف والطاقة والنقل، فضلاً عن الأمراض التي ضربت عدداً من المداجن، وخسائر متراكمة دفعت كثيراً من المربين إلى التوقف عن العمل.
وفي محاولة للوقوف على أسباب هذه الأزمة وما إذا كانت الأسعار مرشحة للانخفاض، زار موقع تلفزيون سوريا عدداً من المداجن والشركات العاملة في قطاع الدواجن والمسالخ ومحال بيع الفروج في دمشق وريفها وحمص وحماة وحلب وريفها، والتقى مربين وأصحاب مسالخ ومحال بيع، للاستماع إلى روايتهم حول ما يحدث في السوق، والخسائر التي تعرضوا لها، والعوامل التي دفعت الأسعار إلى مستويات قياسية.
اقرأ أيضاً
بعد مطالب متكررة.. الاقتصاد السورية توقف استيراد الفروج المجمّد
الأمراض والطيور المهاجرة.. أزمة إضافية
إلى جانب ارتفاع تكاليف الإنتاج، يواجه قطاع الدواجن مشكلة أخرى تتمثل في الأمراض التي تصيب الطيور، ولا سيما خلال الفترات التي تزداد فيها حركة الطيور المهاجرة.
ويقول مربون إن هذا الوقت من العام يشهد عادة انتشار بعض الأمراض بين الدجاج، مع انتقال أمراض قد لا تكون منتشرة سابقاً في المنطقة، وهو ما يؤدي إلى نفوق أعداد من الصيصان والطيور، ويزيد من حجم الخسائر.
وفي منطقة اعزاز شمال حلب، يرى خالد الإبراهيم، صاحب أحد المداجن، أن انتشار الأمراض أصبح من أبرز المشكلات التي تواجه المربين، داعياً إلى ضبط عملية إدخال اللقاحات إلى البلاد، والتأكد من مصادرها وأنواعها.
ويقول الإبراهيم إن سوريا مقبلة على فصل الخريف، وهو موسم ترتبط به سنوياً بعض الأمراض التي تنقلها الطيور المهاجرة، ولذلك فإن التعامل مع المشكلة يحتاج إلى إجراءات وقائية مسبقة، وليس فقط إلى علاج الأمراض بعد انتشارها.
وبرأيه، فإن تنظيم دخول اللقاحات واستخدامها والتأكد من موثوقيتها يمكن أن يساعد بصورة كبيرة في الحد من انتشار الأمراض وتقليل الخسائر التي يتعرض لها المربون.
حلب.. خسائر الاستيراد ما زالت تلقي بظلالها
ولا تختلف رواية العاملين في قطاع الدواجن في حلب كثيراً عن تلك التي سمعها موقع تلفزيون سوريا في المحافظات الأخرى.
ويقول سمير. ج، صاحب شركة لتربية الدواجن في مدينة الباب، إن الارتفاع الحالي هو نتيجة تراكمات استمرت نحو شهر ونصف، مشيراً إلى أن القطاع تعرض قبل ذلك لخسائر كبيرة، ولا سيما قبل عيد الأضحى، عندما وصلت أسعار الفروج إلى مستويات لم تكن تغطي تكاليف الإنتاج في كثير من الحالات.
ويضيف أن انتشار الأمراض الفيروسية في عدد من المداجن أدى أيضاً إلى خسائر كبيرة وتراجع الإنتاج، ما خلق فجوة بين الكميات المتاحة وحجم الطلب في السوق.
كما يشير إلى أن زيادة الطلب خلال فصل الصيف، بالتزامن مع ارتفاع أعداد الزوار القادمين إلى سوريا، ساهمت في الضغط على السوق وزيادة استهلاك الفروج.
لكن سمير يرى أن العامل الأهم يبقى الخسائر السابقة التي دفعت عدداً من المربين إلى تقليص نشاطهم أو التوقف عنه، وبالتالي انخفاض أعداد المداجن والإنتاج.
ويعتقد أن القطاع بدأ حالياً في استعادة نشاطه تدريجياً، وأن استمرار عودة المربين إلى الإنتاج يمكن أن يؤدي إلى زيادة المعروض وانخفاض الأسعار.
اقرأ أيضاً
قرارات جديدة لتنظيم استيراد المواد الغذائية في سوريا خلال آذار
حمص.. السعر الرسمي يصطدم بكلفة الشراء
في حمص، انعكس ارتفاع الأسعار بصورة مباشرة على محال بيع الفروج، إذ أضربت بعض المحال الصغيرة المتخصصة في بيع الدجاج احتجاجاً على ارتفاع الأسعار وتراجع حركة البيع.
ويقول أحد أصحاب المسالخ لموقع تلفزيون سوريا إن المشكلة الأساسية تكمن في الفارق بين السعر التمويني الرسمي والأسعار التي يضطر أصحاب المسالخ إلى الشراء بها من المزارع.
ومع ارتفاع كلفة شراء الفروج، يجد أصحاب المسالخ ومحال البيع أنفسهم أمام معادلة صعبة؛ إما البيع بالسعر الرسمي وتحمل الخسائر، أو رفع السعر لمواكبة كلفة الشراء، مع المخاطرة بتراجع الطلب ومواجهة المساءلة.
وفي حمص أيضاً، ارتفع سعر صدور الدجاج إلى مستويات قاربت 900 ليرة بالعملة الجديدة، بعد أن كان أقل بكثير قبل فترة قصيرة.
وساهم ارتفاع الطلب على "الشيش" خلال فصل الصيف في زيادة الضغط على السوق، في حين أدى ارتفاع الأسعار لاحقاً إلى تراجع إقبال المستهلكين على شراء الدجاج والشيش.
الحكومة تتدخل لضبط الأسعار
في محاولة للحد من الفوضى السعرية، أعلنت وزارة الاقتصاد والصناعة في 13 آب الجاري إلزام مربي الدواجن وأصحاب المسالخ بالتأشيرة السعرية الصادرة عن اتحاد مربي الدواجن، والبالغة 265 ألف ليرة سورية للطن، مع اعتماد فواتير تداول تمتد من أرض المدجنة حتى المذبح ومنافذ البيع النهائية.
وأكدت مديرية حماية المستهلك وسلامة الغذاء أن أي مخالفة لهذه الإجراءات ستخضع للمساءلة.
وتأتي هذه الخطوة في ظل نقص نسبي في المعروض بأسواق دمشق وعدد من المحافظات، بالتزامن مع تراجع أعداد المربين وارتفاع تكاليف الأعلاف والطاقة والنقل.
لكن ضبط الأسعار، بحسب ما يقوله العاملون في القطاع، لا يكفي وحده لمعالجة المشكلة، إذا لم يترافق مع معالجة كلفة الإنتاج نفسها.
فالسعر النهائي للفروج ليس نتيجة قرار إداري فقط، وإنما هو محصلة لسلسلة طويلة من التكاليف تبدأ من الصوص والعلف واللقاحات، مروراً بالطاقة والتدفئة والمياه والعمالة والنقل، وصولاً إلى المسالخ وتجار الجملة والمفرق.
هل ستنخفض الأسعار قريباً؟
يرى مربون تحدث إليهم موقع تلفزيون سوريا أن الأسعار الحالية لن تستمر طويلاً، خصوصاً إذا عادت المداجن المتوقفة إلى العمل وبدأت أفواج جديدة بالدخول إلى دورة الإنتاج.
ويعتمد هذا التفاؤل على أن ارتفاع الأسعار نفسه قد يشكل حافزاً للمربين للعودة إلى السوق، بعدما أصبح الإنتاج أكثر جدوى من الفترة التي كانت فيها الأسعار دون كلفة الإنتاج.
ويتوقع أبو محمد أن تشهد الأسعار انخفاضاً كبيراً خلال الشهر المقبل مع عودة المربين إلى العمل، بينما يربط سمير في حلب تحسن السوق بزيادة الإنتاج واقتراب افتتاح المدارس، حيث يمكن أن تتراكم كميات أكبر من الفروج وتتوفر حاجة السوق.
لكن انخفاض الأسعار لا يعني بالضرورة انتهاء الأزمة، فإذا عاد السعر إلى مستويات لا تغطي كلفة الإنتاج، فقد يجد القطاع نفسه أمام المشكلة ذاتها بعد أشهر قليلة، مع توقف مربين جدد وانخفاض الإنتاج مرة أخرى.
بالنهاية يمكن القول إن الفروج الذي تحول من إلى سلعة يحلم بها كثير من السوريين، قد لا يحتاج إلى معجزة كي يعود إلى موائدهم، لكنه يحتاج إلى سياسة إنتاجية مستقرة تمنع المربي من الخسارة، وتمنع المستهلك في الوقت نفسه من دفع ثمن تلك الخسائر مضاعفاً.
المصدر