
تلفزيون سوريا: الجمعة, 28 آب 2026 الساعة 6 صباحاً
تُعتبر سوريا تاريخياً وجغرافياً واقتصادياً دولة عبور محورية في الشرق الأوسط، وتعود هذه الصفة إلى موقعها الجغرافي، حيث تشكل جسراً يربط بين ثلاث قارات: آسيا وأوروبا وإفريقيا.
وفي أدبيات علم الجغرافيا السياسية، تُعرَّف «الممرات» بأنها إما شرايين تُنعش أطرافها بالتبادل والحرية، أو اختناقات حادة تحوّل كل عابر أو قاطن فيها إلى رهينة لتجاذبات الأطراف. فالصراعات على الممرات البرية والمائية معلومة في العالم اليوم، والسياق السوري اليوم لا يخرج عن هذه المعاملة القاسية، إذ تقف البلاد عند نقطة التماس الأكثر تعقيداً في الشرق الأوسط، مجسّدة مفهوم «اقتصاد الممر الحرج» بأبهى وأقسى صوره؛ سواء من حيث جغرافية ممتدة وسط أزمات إقليمية متلاطمة، أو شعب يغالب ضغوط المعيشة اليومية بين مطرقة الانسداد الاقتصادي وسندان تطلعات إعادة البناء المفخخة بالاشتراطات وقضايا إعادة الإعمار.
إن إعادة البناء ليست مجرد صبّ للخرسانة ورصف للطرقات، بل هي في جوهرها عملية إعادة صياغة للعقد الاقتصادي-الاجتماعي، وإعادة بناء الإنسان وثقته بنفسه وبأبناء بلده.
لم تكن الأزمة الاقتصادية في سوريا يوماً وليدة جدرانها المغلقة فحسب، أو وليدة اليوم، بل كانت دوماً صدىً لمجريات الأحداث في الإقليم. إن موقع سوريا كقلب المشرق العربي جعل حساباتها المالية مرتبطة بنيوياً بدول الجوار.
الارتداد المالي اللبناني وأزمة البنوك، حيث شكّل النظام المصرفي اللبناني، لسنوات طويلة، الرئة الاقتصادية الحيوية للقطاع الخاص السوري، وحين انهارت هذه الرئة، وُضعت السيولة السورية في «صندوق أسود» مغلق، مما أدى إلى تجفيف قنوات التمويل الأساسية، حيث إن كثيراً من رؤوس الأموال السورية في لبنان لا يزال مصيرها مجهولاً، وهذا أدى إلى مضاعفة الاختناق الاقتصادي.
وكذلك اضطراب خطوط الإمداد الإقليمية، حيث تحولت التوترات المستمرة في الجنوب، وسعي إسرائيل إلى قطع الخط التجاري من تركيا إلى سوريا ثم إلى المملكة العربية السعودية، إلى عامل ضغط إضافي؛ فإسرائيل تريد تعطيله، وتريد خط الهند الذي يمر عبر الخليج إلى إسرائيل ومنها إلى أوروبا.
لذلك أعادت المملكة فكرة فتح خط بري شرقي الأردن مع الحدود العراقية لتلافي تهديد الخط الحالي.
وكذلك تذبذب أسواق الصرف المجاورة، وتذبذب أسعار الوقود، حيث إن الهزات الاقتصادية التي تضرب عملات الإقليم تترك آثاراً فورية على القوة الشرائية لليرة والتداولات المحلية، مما يخلق حالة من السيولة المتوترة التي تعجز عن تحقيق استقرار تسعيري مستدام.
أما إعادة البناء فهي المعضلة الهيكلية بين الاستحقاق والاشتراط. حين يُطرح مفهوم «إعادة الإعمار» في الأدبيات الاقتصادية، يُفترض أن يكون رافعة تنموية تُخرج البلاد من حالة الركود، غير أن المفهوم يتخذ في الحالة السورية بُعداً معقداً ومأزقاً استثنائياً.
إن إعادة البناء ليست مجرد صبّ للخرسانة ورصف للطرقات، بل هي في جوهرها عملية إعادة صياغة للعقد الاقتصادي-الاجتماعي، وإعادة بناء الإنسان وثقته بنفسه وبأبناء بلده.
فالأمر يحتاج إلى خطة اقتصادية كبيرة للانتقال من الواقع الاقتصادي الحالي. فعلى سبيل المثال، كان في مدينة حلب عام 2010 حوالي 42 ألف سجل صناعي، في حين اليوم لا يوجد فيها سوى 1500 مصنع، في أحسن الأحوال، يعمل. فهذا التراجع الكبير يحتاج إلى اهتمام استثنائي للخروج من الاقتصاد الحرج، وإعادة العجلة الاقتصادية إلى العمل من جديد.
إضافة إلى فجوة التمويل الهائلة، ففي ظل غياب خطط تمويل إقليمية ودولية متكاملة، تظل مبادئ إعادة البناء محصورة في حلول ترقيعية ومبادرات محلية محدودة الأثر، مما يعمق حالة التباين بين التكاليف التقديرية الهائلة والإمكانات المتاحة فعلياً.
وكذلك تآكل رأس المال البشري؛ فأزمة البناء الحقيقية لا تكمن فقط في المباني والمصانع المهدمة، بل في نزيف الكفاءات والخبرات والعقول الشابة التي تبحث عن أفق أكثر استقراراً، مما يفرغ الاقتصاد من رصيده المعرفي والمهني.
والظروف المعيشية اليومية هي عبارة عن هندسة البقاء في مساحة الضغط.
فعلى خط التماس المباشر مع هذه التحولات المعقدة، يقبع المواطن السوري الذي وجد نفسه يخوض يومياً ما يمكن تسميته بـ«هندسة البقاء». لم تعد إدارة الميزانية المنزلية مجرد عملية توازن بين الدخل والمصروف، بل غدت إدارةً لمخاطر يومية متجددة، منها تآكل الأجور والتضخم المركب. يواجه الفرد سباقاً غير متكافئ بين أجور شبه ثابتة وأسعار متصاعدة بشكل جنوني، مدفوعة بتراجع قيمة العملة وارتفاع تكاليف الطاقة ومصادر الإنتاج.
أمام اتساع الفجوة المعيشية ظهر اقتصاد الظل كخيار إجباري، ونشطت آليات اقتصادية موازية، من الاعتماد الحرج على حوالات المغتربين المالية، إلى ممارسة مهن متعددة في اليوم الواحد، وصولاً إلى اتساع نطاق الأنشطة غير الرسمية لضمان الحد الأدنى من الكفاف.
الأمن الغذائي والخدمي، حيث أصبحت الاحتياجات الأساسية للأسرة، كالطاقة والدواء والتعليم، عبئاً يستنزف معظم الموارد المتاحة، مما يقلص الطبقة المتوسطة ويؤدي إلى انكماش أفق التخطيط المستقبلي للأفراد والمجتمع.
إن الخروج من مأزق «الممر الحرج» يتطلب الانتقال من عقلية التعامل مع الأزمات الطارئة إلى عقلية التخطيط الهيكلي طويل الأمد.
لكن لا بد من أفق للخروج من الاختناق إلى الاستفادة من الموقع والخبرات والصناعيين القدامى (old money).
إن الخروج من مأزق «الممر الحرج» يتطلب الانتقال من عقلية التعامل مع الأزمات الطارئة إلى عقلية التخطيط الهيكلي طويل الأمد. سوريا بحاجة إلى إعادة اكتشاف وزنها الجغرافي والاقتصادي عبر خطوات تتجاوز الاستجابة الانفعالية.
صياغة رؤية اقتصادية واقعية تبدأ من دعم القطاعات الإنتاجية، لا سيما المنشآت التي تضررها بسيط، أي التي تقل نسبة تضررها عن 40%، من خلال مساعدتها على العودة إلى السوق، وتحفيز الزراعة والصناعات التحويلية التي تمتلك مقومات القوة الذاتية، وتستطيع تقليل الاعتماد على الاستيراد المكلف.
تفعيل حلول الطاقة البديلة، وفك الارتباط الجزئي بين الإنتاج وأزمات المحروقات عبر الاستثمار الجاد والواسع في مشاريع الطاقة المتجددة، لتوفير حد أدنى من الاستقرار التشغيلي للمؤسسات والمنازل.
استثمار الشبكات والروابط، وتحويل المغتربين والشتات السوري من مجرد مصدر للحوالات الإغاثية إلى شركاء في استثمارات تنموية ذات عائد مستدام، تُبنى على أسس من الشفافية والحوكمة.
إن «اقتصاد الممر الحرج» ليس قدراً محتوماً للبلاد بقدر ما هو نتاج لتقاطعات جغرافية وسياسية قاسية. وإن إعادة الروح إلى هذا الممر تتطلب أولاً وقبل كل شيء استعادة الإنسان السوري لفاعليته الاقتصادية، وتحويل موقعه الجغرافي من نقطة استنزاف وتلاقٍ للصدمات إلى جسر حقيقي للعبور والازدهار.
المصدر