سوريا بين عهدين.. من هندسة كيسنجر إلى ترتيبات برّاك



تلفزيون سوريا: الجمعة, 28 آب 2026 الساعة 6 صباحاً

هل تقف سوريا هذه الأيام على أعتاب عصر سياسي جديد، في ظل إعادة تشكيل الدولة والنظام السياسي والاقتصادي، وسط تحولات إقليمية ودولية كبرى؟ لا يمكن الإجابة عن هذا السؤال من دون دراية بالسمات المميزة للعصور السياسية السابقة، التي رسمت ملامح فترات من "الاستقرار" في تاريخ سوريا الحديث. فقد مرت الدولة السورية، التي تشكلت بوصفها إحدى نتائج وتسويات الحرب العالمية الأولى بين القوى الاستعمارية، بمراحل عدة، كان أبرزها مرحلة استيلاء حزب البعث على السلطة، ثم عهد الأسدين الذي امتد لأكثر من نصف قرن. تبلورت ملامح هذا "الاستقرار"، خصوصًا بعد حرب تشرين الأول/ أكتوبر 1973، في سياق إقليمي ودولي لعب فيه هنري كيسنجر، وزير الخارجية الأميركي وقتئذ دورًا محوريًا في هندسة الترتيبات السياسية التي أرست دعائم "الاستقرار" في المنطقة. لكن هذا الاستقرار انتهى مع سقوط نظام الأسد، لتدخل سوريا اليوم مرحلة إعادة تشكيل جديدة، لا تقتصر على بنية الدولة والنظام السياسي والاقتصادي، بل على موقعها في النظام الإقليمي الذي يجري تشكيله ضمن صراع تركي -إسرائيلي في ظل مظلة ودور أميركيين. لفهم الدور الأميركي، قد يكون من المفيد العودة إلى تجربة هنري كيسنجر بعد حرب 1973. فقد تشكلت رؤية كيسنجر السياسية والدبلوماسية إلى حد كبير من دراسته لتجربة مترنيخ، ولا سيما سياساته في إرساء نظام أوروبي مستقر امتد من هزيمة نابليون عام 1815 حتى اندلاع الحرب العالمية الأولى عام 1914. منذ الأيام الأولى لسقوط النظام السوري، شنّت إسرائيل غارات جوية كثيفة طالت مواقع عسكرية في مختلف أرجاء البلاد، ويُقال إن عددها اقترب من ألف غارة. ولم تكتفِ بذلك، بل بادرت إلى قضم أراضٍ جديدة، كما لا تزال حتى اليوم تنفذ توغلات متكررة في المناطق الجنوبية. يجري كل ذلك من دون أي رادع محلي أو إقليمي أو دولي. لم تكن هذه الغارات لأن تلك الأسلحة أو ما تبقى منها تشكل تهديدًا مباشرًا لإسرائيل، أو بسبب طبيعة النظام السياسي الجديد في سوريا، بقدر ما كانت تسعى إلى توجيه رسالة سياسية مزدوجة: الأولى إلى سوريا وقيادتها الجديدة، مفادها أنها لا تريد لها أن تكون إلا دولة ضعيفة ومنزوعة السلاح؛ والثانية إلى الأطراف الإقليمية، ولا سيما تركيا، تؤكد فيها أنها الطرف الأقوى والفاعل الذي لا يمكن رسم ملامح النظام الإقليمي الجديد من دونها، بل وربما وفق الشروط التي تفرضها هي. ومن جهة أخرى، رأت تركيا ودول الخليج العربي، ولا سيما السعودية وقطر، في الخلاص من نظام الأسد بدايةً إيجابية لخلاص السوريين والبحث عن تشكيل مستقبلهم أولًا، وتقليص النفوذ الإيراني، وإعادة سوريا إلى موقعها الطبيعي بوصفها عاملًا في استقرار المنطقة. ولذلك عملت هذه الدول على دعم المرحلة الجديدة في سوريا بمختلف الوسائل. وكان لتركيا، التي تتشارك مع سوريا حدودًا تمتد لنحو 900 كيلومتر، الدور الأبرز، ولا سيما في عملية إعادة تشكيل الجيش السوري الجديد، والمساهمة في تأمين الاستقرار، بما يهيئ الظروف لعودة السوريين إلى بلادهم، كونها استضافت العدد الأكبر منهم خلال سنوات الثورة التي امتدت أربعة عشر عامًا. إلا أن الدافع الأهم لتركيا يتمثل في دورها في صياغة النظام الإقليمي الجديد، بما يضمن مصالحها وأمنها، وهو ما اعتبرته إسرائيل بدايةً لصراع تركي معها حول مستقبل سوريا، دولةً ونظامًا، وحول شكل التوازنات الإقليمية التي نشهد تجلياتها اليوم. لم يكن الصراع الناشئ بين تركيا وإسرائيل بعيدًا عن أعين الولايات المتحدة، صاحبة النفوذ الأكبر والكلمة العليا في رسم ملامح النظام الدولي والإقليمي على حد سواء. ومنذ البداية، عملت واشنطن على فتح قنوات للتواصل السوري-الإسرائيلي، بصورة مباشرة وغير مباشرة، معتمدة في ذلك على سفيرها لدى تركيا، السيد توماس براك، الذي عيّنته مبعوثًا خاصًا لها إلى سوريا، ثم إلى العراق ولبنان، ليصبح أحد أبرز الشخصيات المنخرطة في إدارة المفاوضات، والعمل على صياغة آليات تحول دون وقوع صدام تركي-إسرائيلي في سوريا. وفي الوقت نفسه، تسعى الولايات المتحدة إلى تأسيس اتفاقات أمنية بين سوريا وإسرائيل، تمهيدًا لانتقالها، في نهاية المطاف، إلى تفاهمات واتفاقات سياسية، رغم الصعوبات والملفات العالقة بين البلدين، وفي مقدمتها استمرار الاحتلال الإسرائيلي للأراضي السورية. لفهم الدور الأميركي، قد يكون من المفيد العودة إلى تجربة هنري كيسنجر بعد حرب 1973. فقد تشكلت رؤية كيسنجر السياسية والدبلوماسية إلى حد كبير من دراسته لتجربة مترنيخ، ولا سيما سياساته في إرساء نظام أوروبي مستقر امتد من هزيمة نابليون عام 1815 حتى اندلاع الحرب العالمية الأولى عام 1914. وانطلاقًا من ذهنية واقعية تقوم على إدارة توازنات القوى، لم يسعَ مباشرةً إلى إبرام معاهدة سلام سورية-إسرائيلية شاملة، وإنما اتجه إلى اتفاقات فصل القوات، وتأمين شرطٍ أكثر استقراراً حول الجولان، مع ترك القضايا النهائية لمراحل لاحقة. اعتمدت هندسة كيسنجر للنظام على الحفاظ على توازن القوى، واستيعاب الخصوم بدلًا من القضاء عليهم، ومنح النظام قدرًا من الشرعية، وإدارة التغيير تدريجيًا بما لا يؤدي إلى انهيار الترتيب بكامله. تختلف ظروف اليوم عن تلك التي عمل فيها كيسنجر آنذاك؛ فقد انتهى نظام القطبين الدولي لمصلحة هيمنة الولايات المتحدة، وخرجت مصر من دورها العربي لأسباب عديدة، والأهم هو وضع سوريا، بما تمثله من نظام ودولة، إذ يجري اليوم إعادة تشكيلها. وهنا يظهر دور توم براك في إعادة بناء سوريا بدلاً من صناعة ترتيبات مع سوريا؛ إذ يتعامل مع سوريا جديدة وضعيفة تحتاج إلى إعادة بناء. ولهذا، أصبح الهدف الأميركي مختلفًا: إعادة بناء دولة جديدة، ولكن ضمن النظام الإقليمي الجديد وأعمدته المتمثلة في تركيا وسوريا وإسرائيل. تهدف إسرائيل إلى منع أي قوة إقليمية من تحويل سوريا إلى قاعدة استراتيجية لتركيا، ولهذا قصفت إسرائيل قاعدة أبو الظهور في 18 آب الحالي، بعد زيارة وفد تركي إليها، معتبرةً أن احتمال وجود عسكري تركي هناك يمثل تهديدًا، بينما اعتبرت واشنطن الضربة تصعيدًا غير ضروري. وهنا يصبح دور براك مثيرًا للاهتمام؛ فهو لا يحاول فقط ضبط العلاقة بين سوريا وإسرائيل، بل يسعى أيضًا إلى منع تحول سوريا إلى ساحة صراع تركي-إسرائيلي، والعمل على إنشاء آلية لمنع الاحتكاك بين تركيا وإسرائيل وسوريا. فالمخاطر لم تعد تقتصر على احتمال اندلاع حرب سورية-إسرائيلية، بل تشمل أيضًا احتمال أن يؤدي أي صدام إسرائيلي-تركي داخل سوريا إلى أزمة أكبر. فواشنطن لا تريد ببساطة أن تنتصر إسرائيل على سوريا، ولا تريد أن تهيمن تركيا على سوريا، كما لا تريد عودة إيران إليها؛ بل تحاول إنشاء ترتيب إقليمي يمنع أي قوة من الانفراد بسوريا. تهدف تركيا ومن مصلحتها أن تكون سوريا موحدة وقوية نسبيًا ولها جيش واحد وتسهم في إعادة إعمارها بما يؤمن لها نفوذا واضحا فيها، بينما تريد إسرائيل أن تكون سوريا موحدة، لكن جيشها ضعيف غير قادر على تهديدها ومن دون قوات أجنبية وخاصة في جنوبها. باختصار: تركيا تريد إعادة بناء قوة الدولة السورية، بينما ترفض إسرائيل أن تتحول هذه القوة إلى تهديد لها. إن سوريا لا تقف فقط بين عهدين سياسيين، بل بين نظامين إقليميين: نظام أرسى دعائمه كيسنجر انتهى بسقوط الأسد، ونظام جديد يسعى لترتيبه توم براك، لكن لم تتحدد ملامحه النهائية بعد. وسط هذا التصارع على سوريا، واختلاف الرؤى، ولا سيما بين تركيا وإسرائيل، حول دور سوريا ومستقبلها، يعمل براك على إنشاء آليات لمنع الاحتكاك، فواشنطن لا تريد ببساطة أن تنتصر إسرائيل على سوريا، ولا تريد أن تهيمن تركيا على سوريا، كما لا تريد عودة إيران إليها؛ بل تحاول إنشاء ترتيب إقليمي يمنع أي قوة من الانفراد بسوريا. وفي الوقت نفسه تضمن حصول تركيا على دور في إعادة إعمار سوريا، مقابل حصول إسرائيل على ضمانات أمنية تمهّد لاتفاقات لاحقة. لذلك، قد تكون ضربة أبو الظهور لحظة تأسيسية، لأنها كشفت، للمرة الأولى بوضوح، أن إعادة بناء سوريا نفسها أصبحت نقطة تماس بين مشروعين إقليميين مختلفين. وبذلك، فإن سوريا لا تقف فقط بين عهدين سياسيين، بل بين نظامين إقليميين: نظام أرسى دعائمه كيسنجر انتهى بسقوط الأسد، ونظام جديد يسعى لترتيبه توم براك، لكن لم تتحدد ملامحه النهائية بعد. وما هو مهم للسوريين ليس ما إذا كانت سوريا ستدخل عهداً جديداً، فهذا التحول قد بدأ بالفعل؛ وإنما ضرورة أن تمتلك الدولة السورية الجديدة القدرة على أن تكون فاعلاً في صياغة النظام الإقليمي الجديد، لا أن تبقى موضوعاً لتنافس القوى الإقليمية والدولية على صياغة مستقبله.

المصدر