نافي بيلاي.. نوبل للسلام وسؤال السلام العالمي



تلفزيون سوريا: الثلاثاء, 13 تشرين الأول 2026 الساعة 6 صباحاً

ثمة العديد من التحليلات والآراء التي كانت وما زالت تتناول جائزة نوبل عموماً والسلام خصوصاً بأنها جائزة مسيّسة، واللجنة النرويجية التي تمنح الجائزة متحيزة سياسياً وتجاري السياسات الغربية في توجهاتها العامة على حساب القضايا الإنسانية العامة. ودلالة ذلك أن جائزة نوبل للسلام مُنحت لشخصيات عالمية متهمة بالتورط بحروب عالمية، أمثال "هينري كيسنجر" و"باراك أوباما"؛ في حين ما يزال "دونالد ترامب" يسعى لنيل الجائزة وهو الفاعل بحسب ادعائه في وقف ثمانية حروب لكن ماذا عن الحرب الخليجية اليوم؟ مقابل هذا يعتبر منح القاضية والمدافعة عن حقوق الإنسان الجنوب أفريقية "نافي بيلاي" ذات ال 85 عاماً جائزة نوبل للسلام لعام 2026، وذلك تقديراً لجهودها الطويلة في تعزيز السلام ومكافحة الفصل العنصري والتصدي لجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، يعتبر أمراً بالغ الأهمية في مسيرة هذه الجائزة وأثرها العالمي من حيث كونها تحاول ألا تكون متحيزة إلا للسلام. وأنها فعلياً تسعى لرصد دقيق لمعايير السلام العالمية وحقوق الإنسان المتمثلة أساساً بالقواعد الأساسية التي وضعها "ألفرد نوبل" عام 1895 في وصيته: تعزيز التقارب والتعاون والروابط بين الأمم (أخوة الدم)، دعم جهود نزع السلاح وتقليل عدد القوات العسكرية والحد من انتشار الأسلحة، رعاية وتنظيم مؤتمرات السلام العالمية وإنهاء النزاعات بالطرق السلمية والديبلوماسية. فهل يمكننا الجزم بأن السلام العالمي يطرق الأبواب بينما لم تزل لليوم تنتشر لغة القوة والغطرسة العسكرية وما ينتج عنها من مظالم وحروب وتهشيم لقواعد السلام والاستقرار العالمي؟ والسؤال فحواه ومضمونه في قدرة اللجان الدولية على تحقيق السلام بجهودها التوثيقية والتشجيعية مقابل سياسات القوة البادية على مشهد المعمورة. السلام العالمي وسؤال مصير الإنسان اليوم والأمس والغد، هو غاية السعادة البشرية، هو القدرة على التعايش مع المختلف معك سياسياً وديناً ولوناً ومصلحة، وتحكيم معايير العقل والوجود البشري واللجوء للغة البشر والتفاوض في حل النزاعات الحاصلة بين البشر. "نافي بيلاي" والتي بدأت مسيرتها المهنية مدافعة عن "نيلسون مانديلا" وأقرانه من نظام الفصل العنصري، الأبارتيد، في جنوب أفريقيا وأمثاله في العالم، وشغلت مناصب عدة في المجال الحقوقي الإنساني منها رئاسة المحكمة الخاصة بالإبادة الجماعية في رواندا، والعمل قاضية في المحكمة الجنائية الدولية والمفوضية السامية لحقوق الإنسان. كما وترأست لجنة التحقيق الدولية المستقلة التابعة للأمم المتحدة الخاصة بالأراضي الفلسطينية المحتلة، والتي خلصت إلى اتهام إسرائيل بارتكاب جرائم إبادة جماعية في قطاع غزة، ووجهت الإدانة بشكل مباشر إلى رئيس وزرائها "بنيامين نتنياهو"، حيث خلص تقريرها إلى توجيه الاتهام المباشر له ولعدد من كبار المسؤولين الإسرائيليين كوزير الدفاع بالتحريض على ارتكاب جرائم الإبادة الجماعية، واصفة ما يجري في غزة بأنها "أمور تثير غضباً أخلاقياً عالمياً وتمثل حالة طوارئ قانونية" وذلك بالاستناد إلى نتائج لجنة التحقيق التي أجرت تحقيقاتها بشكل محايد قانونياً. هل السلام العالمي بخير؟ سؤال يطرق أبواب الإنسانية جميعاً وإجابته لا تكفيه حكما تقديم استحقاق عالمي كهذا للقاضية بيلاي وقبلها مانديلا، فما زال حجم المظالم العالمية والجريمة المتنقلة من مكان لآخر في العالم يقض مضجع سطح الكوكب. وتكاد لا تخلو الألفية الثالثة التي نعيش من حروب يذهب ضحيتها الملايين والألوف من الأبرياء (غزوة العراق 2003، الثورة السورية، في غزة، في دارفور، في ميانمار.. وما يمكن أن يحدث في المنطقة إذا ما اشتعلت حرب إقليمية فيها)؛ ولم يزل المجرمون العالميون محصنين من العقاب رغم ملاحقتهم دولياً. ولا أدل على هذا سوى بقاء "بنيامين نتنياهو" في منصبه لغاية الآن في إسرائيل ويطمح لتجديد انتخابه مرة أخرى، ما يمنحه حصانة داخلية تضع حاجزاً أمام إمكانية القبض عليه ومحاكمته دولياً. وما زال يسعى لتكرار ارتكاب المجازر تلو الأخرى، وليس فقط، بل ظهر مؤخراً في اجتماع الجمعية العمومية للأمم المتحدة واصفاً من قاطعو الجلسة لحضوره فيها بأنهم "جبناء"، الأمر الذي أثار استنكاراً عالمياً مفاده أن الغطرسة التي تقوم بها إسرائيل يجب إيقافها عند حد، فها هو يحمل "البيجر" ويرفعه في وجه العالم قاطبة في دلالة على قدرة إسرائيل على ملاحقة من تريد عبر أجهزة الاتصال المتقدمة تقنياً! ومباشرة بادر بمهاجمة بيلاي، ومن خلفها اللجنة النرويجية التي تمنح نوبل للسلام ونعتها بأنها "فقدت البوصلة الأخلاقية"! فعن أي بوصلة يتحدث مجرمو الحرب أمثاله؟ إلا إذا كانت بوصلتهم هي ما تحقق أغراضهم السياسية وفقط، وتبرير أفعالهم الجرمية بحماية جنسهم وديانتهم وشعبهم، في حين أنّ قتل شعب آخر أمر مباح، قتل الأطفال والنساء بغزة أمر مباح! فلا عجب أن كل قاتل يعتقد له الحق بقتل الآخرين ويجتزئ القوانين لمصلحته وفقط أن يكون مصاباً بأمراض نفسية مركبة مع عقائد أيديولوجية سياسية عنوانها: بوصلتي السياسية على سوءتها هي عنوان الحضارة العصرية! ويا لها من بوصلة تملؤها لعنة الدماء والاستئثار بحق تقرير حياة البشر، فقط لمجرد الاختلاف بالعرق أو الجنس أو لون البشرة! السلام العالمي وسؤال مصير الإنسان اليوم والأمس والغد، هو غاية السعادة البشرية، هو القدرة على التعايش مع المختلف معك سياسياً وديناً ولوناً ومصلحة، وتحكيم معايير العقل والوجود البشري واللجوء للغة البشر والتفاوض في حل النزاعات الحاصلة بين البشر. السلام كغاية بشرية وموضوعة حياة يومية تعاش أو كيف يجب أن تُعاش، هو مسعى الشعوب للاستقرار والاستمرار. السلام نقيض الحرب والقتل والدمار؛ وليس فقط، بل نقيض النفس الأمارة بالسوء، بنزعتي الكراهية والعداء. السلام كحالة سياسية تبعث على الطمأنينة في دول الجوار والمحيط العربي والإقليمي والعالمي، هو غاية ووسيلة بآن لتحقيق الذات البشرية وكرامتها وكل ما يجرى لليوم من حروب على الشعوب والمدنيين العزل في كل بقاع الأرض يقوض هذا السلام ويضع اللجان الدولية والأممية والحقوقية ومنها جائزة نوبل للسلام أم سؤال محوري: هل يكفي أن توجد تشريعات وقوانين؟ وهل يمكنها أن تحد من تغول سياسات القتل والحرب والجريمة؟ أم أن دورها يُكتفى به بالتوثيق والحث على السلام وتشجيعه بحيث يصبح أمثال بيلاي مثالاً يحتذى به، علَّ سياسيي العالم أمثال "ترامب" و"نتنياهو" و"بوتين" يتفكرون. هل يقتنع صناع الحروب بمدى شرها العالمي إذا ما تمددت الحرب أوروبياً أو شرق أوسطياً، خاصة أن طبولها تقرع أصواتها عالياً؟ السلام والعدالة والحرية لا تقتلع من نفوس البشر بالحرب والقتل، والنزعة العنصرية والأيديولوجيات القومية والدينية المتعصبة ليست نصيرة التاريخ. وأمثلة العصر الحالية واضحة لا تخطئها عين: البوتينية الروسية، والعولمة المتغولة، والتطرف الداعشي والقاعدي، والصهيونية العالمية، ونظام الأسد السوري والمرشد الإيراني.. وقبلهم كانت النازية وكان عصر امبراطوريات القوة والغطرسة ولكنها ولّت في جوف التاريخ. ولا يمكن للبشرية الانتصار لنفسها وقوة وجودها المبنية على الاستمرار والاستقرار والسلام إلا إذا نفيت الحرب سياسياً وثقافياً ومعتقدياً. وعلى العالم أن يتذكر: أن البشرية وسلامها مرتبطة ببعض خاصة في زمن التفوق التقني والعسكري والنووي، وإرادة الانتصار للسلام تبدأ بملاحقة شياطين الحرب القابعين في السياسة الدولية، والعمل على تعزيز المصلحة الكلية لكل البشر وسلام الكوكب. فهل من أذن تسمع وتتعظ مما قدمته أمثال بيلاي؟ وهل يقتنع صناع الحروب بمدى شرها العالمي إذا ما تمددت الحرب أوروبياً أو شرق أوسطياً، خاصة أن طبولها تقرع أصواتها عالياً؟          

المصدر