
تلفزيون سوريا: الثلاثاء, 13 تشرين الأول 2026 الساعة 6 صباحاً
يستدعي النقاش حول مسار سوريا بعد سقوط نظام الاستبداد، وعلى وجه الخصوص طبيعة المرحلة الانتقالية، السؤال المتكرر عن أهداف الثورة التي لم تتحقق بعد. حيث ثمة من يرى أن عملية ردع العدوان التي أسقطت النظام الأسدي أنجزت نصف المهمة، وأن الانتقال إلى سلطة جديدة لم يحقق الحرية والديمقراطية اللتين خرج السوريون من أجلهما، ولذلك ينبغي استمرار المواجهة مع الحكم الجديد حتى تتحقق أهداف الثورة كاملة.
لتدعيم هذا الرأي، تُساق الثورة الفرنسية إلى الطاولة، التي امتدت لسنوات طويلة. من أجل إيصال رسالة بسيطة وقاسية تقول إن الثورات لا تحقق غاياتها بضربة واحدة، والطريق إلى الحرية يمر حتماً عبر الاستمرار في المواجهة.
المفتونون بالجدال يعثرون هنا على عتبة جديدة تسمح لهم المحاججة أكثر، لكن من المهم توضيح أن تكون أهداف الثورة السورية غير مكتملة فكرة مختلفة تماماً، عن فكرة أن استمرار المواجهة بالأساليب نفسها هو الطريق إلى تحقيقها، فالأولى توصيف سياسي يمكن الاتفاق عليه أو الاختلاف حول تفاصيله، أما الثانية فهي استنتاج يحتاج إلى تدقيق، ولا تكفي الثورة الفرنسية وحدها لإثبات صحته.
الكشف عما حدث خلال الثورة الفرنسية وما نتج عنها مباشرة، لا يعني أنها كانت خطأ، أو أن ما شهدته من عنف يلغي ما أحدثته من تحولات تاريخية.
في كتابه "كيف نشأ عهد الإرهاب في الثورة الفرنسية"، الصادر عن مطبعة جامعة هارفارد عام 2015، حاول المؤرخ الأميركي تيموثي تاكيت الإجابة عن سؤال بالغ الأهمية: كيف انحدرت ثورة رفعت شعارات الحرية والمساواة والإخاء إلى مرحلة الإرهاب السياسي، الذي قام على الاعتقالات والإعدامات والمحاكمات الاستثنائية في خلال عامي 1793 و1794؟
تتبع الباحث من أجل الحصول على مراده المسار الذي جعل العنف يتسع تدريجياً، حتى صار في نظر أصحابه وسيلة ضرورية لحماية الثورة. ومن أجل فهم كيف حصل ذلك قرأ المناخ النفسي والسياسي الذي نشأ وسط انهيار السلطة القديمة، وسجل تصاعد الصراع الداخلي، ورصد الخوف من الثورة المضادة. وحين تراكمت الأزمات، خيّم الخوف على الفرنسيين. وبات الجميع يشك في الجميع، وتكاثرت اتهامات الخيانة والتآمر، وتحول الشريك السياسي في لحظة إلى عدو يُهدد وجود الثورة. وفي المحصلة: الخوف ولد الشك، والشك أطلق الاتهام، والاتهام شرعن مظالم ما كان لأحد أن يقبلها في الظروف العادية.
يتجلى جوهر الفكرة في أن "الإرهاب" تشكل خطوة بخطوة وسط حلبة ضيقة من المخاوف والقرارات الجائرة، حيث صار يُنظر إلى دعوة للتهدئة وكأنها خيانة. وهنا يتوجب علينا التوقف ملياً، فالتاريخ الفرنسي يعرض أمامنا كلفة الهوس بالمواجهة، وكيف يمكن لنوايا نبيلة أن تنتهي إلى فواجع كبرى. ولا يعطينا موافقة على استمرار الصراع.
الكشف عما حدث خلال الثورة الفرنسية وما نتج عنها مباشرة، لا يعني أنها كانت خطأ، أو أن ما شهدته من عنف يلغي ما أحدثته من تحولات تاريخية. هذه نقطة مفرقية في سياق تحرينا عن نتائج المقارنة، سيما وان البعض مازال حتى الآن يتهم ثورة 2011 بتخريب الحياة السورية. كما أن تشابه الوقائع لا يعني أن تجربتنا تسير بالضرورة نحو المسار الفرنسي. لأن الاستشهاد بتجارب الآخرين يقتضي النظر إليها في تعقيدها، وليس انتقاء عنصر واحد منها، هو طول مدة الصراع، وتحويله إلى حجة لمواصلة المواجهة من دون سؤال عن شروطها ونتائجها.
امتدت الثورة الفرنسية طويلاً، وانتهت في عام 1799 إلى انقلاب نابليون بونابرت، الذي مهّد لقيام الإمبراطورية. وهذا يذكّرنا بأن استمرار الصراع الثوري لا يضمن وحده أن تكون المحصلة نظاماً ديمقراطياً، وأن الطريق الذي يُفترض أنه يقود إلى الحرية قد يفضي، في ظروف معينة، إلى تركيز السلطة من جديد بيد ديكتاتورية.
ما الذي يعنيه ذلك بالنسبة إلى سوريا؟ لقد أسقط السوريون في الثامن من ديسمبر/كانون الأول 2024 نظاماً استبدادياً حكم البلاد لعقود، وترك خلفه مجتمعاً مجهداً، ومؤسسات مسلوبة الإرادة، وحياة سياسية مخنوقة، ونسيجاً اجتماعياً مزقته الشكوك والخوف. لحظة السقوط-على عظمتها-لا تبني وحدها دولة ديمقراطية ولا تشفي مجتمعاً جريحاً. كما أن آثار سنوات طويلة من القهر أعمق من أن تزول بليلة وضحاها.
المرحلة الانتقالية كما نفترض الجسر الحقيقي والوحيد للوصول إلى أهداف الثورة، وبالتالي يجب التأكيد بأن ما يجري فيها ليس زمناً ضائعاً بين الثورة واكتمال أهدافها. إنها جزء من المسار الذي يمكن أن يجعل تلك الأهداف قابلة للتحقق. فالسوريون يحتاجون الآن إلى استعادة حياتهم اليومية ومقوماتها اللازمة كفرص العمل والتعليم، وتوفر الخدمات الأساسية والأمن الغذائي.. إلخ، وامتلاك القدرة على التعبير عن آرائهم من دون الخوف الذي حكم تفاصيل حياتهم لعقود. وهذه القدرة جزء من شروط الممارسة السياسية نفسها. إذ لا يمكن بناء حياة ديمقراطية في مجتمع مستنزف إلى ما لا نهاية، ولا يمكن مطالبة الناس بالمشاركة في الشأن العام بينما يُعامل كل حديث عن التعافي والاستقرار باعتباره تخلياً عن أهداف الثورة.
تمضي بعض نواحي الحياة نحو استعادة عافيتها وطبيعتها، لكن هذا لا يحجب حجم الخروقات والمخاوف والملفات العالقة التي تنتظر الحل. كما أن نقد ما يجري اليوم حق، والاعتراف بما تغير حقيقة.
ومع ذلك، المطالبة بالاستقرار ليست شيكاً على بياض للسلطة الجديدة، ولن تكون ذريعة لمصادرة الحريات أو الالتفاف على الديمقراطية والمساءلة. فالالتزام يُقاس بالأفعال كبناء المؤسسات، وتثبيت سيادة القانون، وضمان المشاركة السياسية. أما المجتمع، فحقُّه في النقد والاحتجاج والتنظيم والمحاسبة قائمٌ الآن، ولا يحتمل التأجيل أو الرهان على المستقبل.
المعيار الحقيقي لأي أداة نضالية اليوم هو قدرتها على حماية حقوق الناس وتوسيع مشاركتهم، لا الإبقاء على جبهات المواجهة مفتوحة بلا أفق.
وبالعودة إلى أصل النقاش، السؤال، إذاً، ليس إن كان على السوريين مواصلة النضال من أجل أهداف ثورتهم، وإنما عن شكل هذا النضال في المرحلة الجديدة. فلكل مرحلة أدواتها، وما كان ضرورياً في مواجهة النظام البائد، لا يصبح بالضرورة الأسلوب الأنسب لبناء الدولة بعد سقوطه. يمكن أن يكون الاحتجاج السلمي ضرورياً، مثلما يمكن أن يكون العمل الحزبي والنقابي، والإعلام المستقل، ومراقبة أداء المؤسسات، والضغط من أجل ضمانات دستورية وقانونية، أشكالاً أكثر اتصالاً بمتطلبات المرحلة.
المعيار الحقيقي لأي أداة نضالية اليوم هو قدرتها على حماية حقوق الناس وتوسيع مشاركتهم، لا الإبقاء على جبهات المواجهة مفتوحة بلا أفق.
يحذرنا تاكيت في قراءته للثورة الفرنسية من أن يؤدي الخوف من ضياع الثورة يصنع مناخاً يخنق الاختلاف، ويحول الخصومة السياسية إلى تهمة، ويشرعن البطش باسم الحفاظ على الاستقرار. وهذا التحذير القابل للتمثل في حياتنا السورية ليس دعوة للسكوت عن خطايا السلطة، ولا تراجعاً عن الحلم الديمقراطي. إنه تنبيه واع بأن الأدوات التي نختارها اليوم هي التي تشكل ملامح المجتمع الذي سنعيش فيه غداً. فالدفاع عن الحرية يكون أيضاً بحماية الشروط الكفيلة بنموها وازدهارها.
المصدر