نجوى رجولة.. سيرة سيدة من سيدات الزمن الجميل



تلفزيون سوريا: الثلاثاء, 13 تشرين الأول 2026 الساعة 6 صباحاً

بين عيادةٍ دمشقيةٍ لا تكتفي ببلسمة الجراح، بل تداوي عوز المحتاجين، وبيتٍ أرسى دعائم الفكر العربي ومجمعه العلمي، وُلدت امرأةٌ لم تكن اللقب، بل صنعت من مسيرتها أثراً يُحتذى. نجوى رجولة؛ الاسم الذي اختزل ورع الطب في والدها الدكتور محمد سعيد رجولة، وعمق الفكر والدولة في جدها العلّامة محمد كرد علي، ليتشكّل من هذا الرصيد العريق وجدانُ سيدةٍ اختارت أن تكون صوتاً للإعلام، ويداً للخير، وذاكرةً حيّةً لدمشق. وُلدت المُترجم لها سنة 1934 في قطنا، ونشأت في بيتٍ كان العمل فيه أكثر من مهنة؛ كان قيمةً وطريقةً في الحياة. والدها الدكتور محمد سعيد رجولة، الطبيب المتخرّج في إسطنبول، مارس الطب في قطنا ثم في دمشق، ولم يحصر رسالته في عيادته؛ فقد كانت له عيادتان، إحداهما في منزل الأسرة في أبو رمانة، والأخرى في السنجقدار. خصّص جانباً مهماً من عمله للحالات الإنسانية، وكان يتكفّل أحياناً بأدوية المحتاجين. ومن هذا البيت أخذت نجوى أول دروسها في العطاء. أما والدتها، رباب كرد علي، فكانت ابنة العالم محمد كرد علي، مؤسس المجمع العلمي العربي وأول وزير للمعارف في الدولة السورية بعد الانتداب. وهكذا نشأت في بيئة التقى فيها العلم بالعمل، وخدمة الناس بالمسؤولية الاجتماعية. لم تفصل بين العمل الإعلامي والعمل الاجتماعي؛ فإلى جانب وظيفتها، كانت من أوائل المنتسبات إلى «المبرّة النسائية»، التي أسّستها ليلى وزينب البكري في خمسينيات القرن المنصرم لرعاية الأطفال الذين حُرموا من الرعاية الأسرية. تلقّت تعليمها في مدرسة خولة الكندية، ثم تابعت دراستها في «دوحة الأدب» التي أسّستها عادلة بيهم، ونالت من مدرسة التجهيز الشهادة الثانوية، قبل أن تلتحق بالجامعة السورية لدراسة علم النفس التربوي. لم يكن التعليم بالنسبة لها نهاية الطريق، بل بدايةً لحياة اتّسع فيها حضورها بين المدرسة والإعلام والعمل الأهلي. بعد تخرّجها، عملت في التدريس في مدرسة جميلة بوحيرد، ثم تقدّمت إلى مسابقة الإذاعة والتلفزيون ونجحت فيها، لتبدأ مسيرة إعلامية امتدّت نحو خمسة وثلاثين عاماً. دخلت العمل مذيعةً، ثم اتّجهت إلى إعداد نشرات الأخبار والبرامج، وتدرّجت في مسؤولياتها حتى أصبحت مديرةً لإعداد الأخبار والبرامج. ومع تأسيس إذاعة «صوت الشعب» بعد الوحدة السورية المصرية، اتّسع نطاق عملها، فأصبحت تشارك في إعداد النشرات والموجزات الصباحية والظهرية والمسائية والبرامج. وكانت من زميلاتها في تلك المرحلة الإعلامية هيام طباع. وفي أجواء العمل الإذاعي، التقت بكمال تفاحة، الذي عُرف بثقافته اللغوية، وهو من خريجي الجامعة الأمريكية في بيروت، وكان يعمل في مجال الترجمة، ليصبح فيما بعد شريك حياتها، وليظلّ زوجها، كما تروي، داعماً لعملها ومحبّاً لحضورها المهني. لم تفصل بين العمل الإعلامي والعمل الاجتماعي؛ فإلى جانب وظيفتها، كانت من أوائل المنتسبات إلى «المبرّة النسائية»، التي أسّستها ليلى وزينب البكري في خمسينيات القرن المنصرم لرعاية الأطفال الذين حُرموا من الرعاية الأسرية. وكان مقرّ المبرّة في الروضة، وقد وجدت نجوى في العمل فيها امتداداً طبيعياً لما تربّت عليه في بيت والدها. سرعان ما تحوّلت المبرّة من مأوى للأطفال إلى مؤسسة اجتماعية ذات نشاط واسع، حيث أُقيمت الحفلات لجمع التبرعات، وكان من أبرزها الحفل الذي أحيته أم كلثوم في اللاييك، وأسهم ريعه في دعم المبرّة وتوسيع مشروعها. ثم حصلت المؤسسة على أرض من الدولة بالإيجار لمدة خمسين عاماً، أُقيم عليها بناء أكثر اتّساعاً لخدمة الأطفال في حي المزة. وكان لنجلها، المهندس محمد سعيد، دورٌ في أعمال البناء، بالإضافة إلى الخدمات التي قدّمها مستعيناً بخبرته الهندسية. وكذلك أسهم المهندس خليل الفرا في الإشراف وجمع المعونات ودعم المشروع، إلى جانب عدد من الشخصيات والجهات الرسمية والأهلية. وبعد ليلى البكري، تولّت بلقيس عوض إدارة المبرّة، وفي عهدها اتّسعت أعمالها لتتجاوز رعاية الأطفال المقيمين فيها إلى مساعدة الأطفال في أسرهم، والعمل على تحسين أوضاع الأهالي بما ينعكس على حياة أبنائهم. كما أُنشئت روضة للأطفال، وأُقيم مسبح للصغار والكبار، وأُنشئ سكن جامعي يعود ريعه إلى المؤسسة، إلى جانب دورات في الخياطة والتطريز وغيرها من المهارات. كانت نجوى ابنة زمنٍ آمن بأن المجتمع يُبنى أيضاً خارج المكاتب الرسمية، بأيدي من حملن مسؤولية العمل الأهلي، وفتحن أبواب المؤسسات أمام الأطفال والمحتاجين، ووقفن إلى جانب الناس في صمت. وكانت صاحبة الترجمة من العناصر الفاعلة في هذا التطور، مستفيدةً من خبرتها في العمل العام وصلاتها بالمؤتمرات والأنشطة التي كانت تحضرها في مصر ولبنان وطرابلس وتونس. وبعد مغادرة بلقيس عوض، مرّت المبرّة بمرحلة من المشكلات الإدارية، فعاد فريق من أسرة البكري إلى إدارة شؤونها. وفي الوقت نفسه، كانت نجوى تواصل عملها الإعلامي حتى عام 1997. ففي عام 1995، رغبت في ترك الإذاعة والتلفزيون، إلا أنها كُلّفت بالعمل في لجان مراقبة المسلسلات، ومراجعة الأعمال وتحديد أسعارها وطلب التعديلات عليها، قبل أن تُنهي مسيرتها الإعلامية بعد عقود من العمل. لكن مغادرتها الإذاعة لم تكن مغادرةً للعمل العام. فقد اتّجهت إلى الهلال الأحمر، مستفيدةً من خبرتها في التواصل والحديث في المناسبات والظروف الإنسانية. وفي مرحلة لاحقة، تقدّمت بطلب لإصدار مجلة «النداء الإنساني»، رغبةً في توثيق تاريخ الهلال الأحمر وخدماته من خلال مقابلات مع مؤسسيه والعاملين الأوائل فيه، وإعادة تقديم شهاداتهم إلى الأجيال الجديدة. ومن الشخصيات التي عاصرتها في هذا المجال ظبية الحصني. وهكذا امتدّت حياتها على أكثر من ميدان، من التعليم إلى الإعلام، ومن الإذاعة إلى العمل الأهلي، ومن رعاية الأطفال إلى الهلال الأحمر والتوثيق. غير أن هذه المراحل، على اختلاف عناوينها، كانت في جوهرها امتداداً واحداً لدرسٍ قديم حملته معها من بيت أبيها: أن العمل لا تكتمل قيمته إلا حين يكون فيه نفعٌ للآخرين. كانت نجوى ابنة زمنٍ آمن بأن المجتمع يُبنى أيضاً خارج المكاتب الرسمية، بأيدي من حملن مسؤولية العمل الأهلي، وفتحن أبواب المؤسسات أمام الأطفال والمحتاجين، ووقفن إلى جانب الناس في صمت. ومن هنا تأتي أهمية شهادتها؛ فهي لا تحفظ سيرة امرأة فحسب، بل تحفظ جانباً من ذاكرة دمشق الاجتماعية والإعلامية، وذاكرة جيلٍ جعل من العمل والعطاء جزءاً من معنى الحياة. أعطت السيدة نجوى للوطن مهندساً لطالما ترك بصمةً معماريةً هندسيةً في أحياء دمشق، كذلك أعطت ثلاث سيدات اشتركن في دعم والدتهن في مجالات مختلفة من أدب وفن وترجمة.

المصدر