حماة بعد التحرير.. ثقافات جديدة تنعش مطاعم المدينة وبيوتها القديمة



تلفزيون سوريا: الثلاثاء, 13 تشرين الأول 2026 الساعة 6 صباحاً

هل فكرت يوماً في عبور أزقة مدينة حماة القديمة، لتتذوق معكرونة "النابولي" الإيطالية بدلاً من "السيّالات"، أو "الباستا" عوضاً عن "الباطرش"؟. وليس بعيداً عن هذه الأطباق، تحضر المأكولات الصينية إلى جانب أطباق يمنية شهيرة، مثل "المندي الحضرمي" و"السلتة" و"المضغوط". هكذا تبدو حماة اليوم مختلفة جذرياً عما كانت عليه قبل التحرير، ليس في تنوع الأطعمة فحسب، بل في الألبسة والمقاهي أيضاً، التي باتت تفتح أبوابها حتى ساعات متأخرة من الليل. منذ اللحظة التي نبدأ فيها صعود طلعة الدباغة، يرافقنا صوت الناعورة الدائرة في ساحة العاصي لمسافة طويلة. فالحداثة هنا لا تعني القطيعة مع الماضي، بل الجمع بين التراث والثقافات الأخرى. هكذا يبدأ فريق "موقع تلفزيون سوريا" صعود المنحدر، ثم ينعطف نحو اليسار، عابراً القناطر الحجرية والأزقة القديمة الضيقة، ليتنسّم عبق التراث والحاضر معاً. يقول أحد العابرين، وهو يرشدنا إلى البيوت القديمة: "إن هذه الجدران والأرضيات عمرها آلاف السنين، ولو تمكنت هذه الأحجار القديمة من النطق، لسردت قصصاً لا يمكن تصورها بالخيال". فنغذّ السير في الدرب الحجري الضيق، الذي تتفرع منه عدة طرق تحمل الهوية الحجرية ذاتها، من قناطر وأحجار بازلتية تتخللها صخور بيضاء، تبعاً لتنوع التضاريس في المنطقة. لقد أُعيد ترميم كثير من البيوت القديمة لتستعيد رونقها، كما تحوّل بعضها إلى مقاهٍ ومطاعم يرتادها الشباب والصبايا بكثرة، مفضّلين إياها على الأماكن الحديثة التي يصفها أحد الرواد الشباب بالقول: "المطاعم الحديثة بلا روح، لكن في هذه الحارات تستطيع أن تؤنسن كل شيء، تبعاً لجذوره الضاربة في عمق التاريخ". وينصحنا الشاب باكتشاف المطعم الإيطالي، للاطلاع على وجه آخر للمدينة لا يعرفه كثيرون، حيث يحمل المكان اسم "كويا"، الملكة السومرية القديمة التي حجزت مكانها في ذاكرة حماة منذ آلاف السنين. هكذا يضيف الاسم بُعداً آخر إلى البيت، كما يقول صاحبه "رائد أندراوس"، وهو يحدثنا عن الجهد المضني الذي بذلوه لترميمه، وتشكيل سقوفه على هيئة قناطر حجرية متصالبة. وتتوسط البيت بحرة وأرض ديار، تنفتح عليهما عدة أبواب لصالات مخصصة للشباب والعائلات، كما يضم درجاً يؤدي إلى التراس المكشوف في الأعلى، وهو الإطلالة المفضلة للعائلات. من بيت العائلة إلى مطعم وفندق.. ماذا بقي من روح البيوت الدمشقية القديمة؟ ومع ذلك، يُعدّ سعرها مرتفعاً بالنسبة إلى الطلبة والشباب غير المنتجين، كما يقول الشاب "سامر"، الذي اعتاد ارتياد المكان بين فترة وأخرى. ويضيف: "دفع مبلغ 80 ألف ليرة، أو 100 ألف ليرة ثمناً للبيتزا، يُعتبر ثقيلاً على الشباب، لذلك يتشارك الأصدقاء في دفع المبلغ، ويكتفون بشرب الشاي أو الكولا بعدها". أسهم انفتاح المدينة على حيوية اجتماعية جديدة في إنعاش الحركة الاقتصادية بحماة، خاصة في ظل ارتفاع أعداد السياح وزوار الأرياف المجاورة، الذين يقضون معظم يومهم في المدينة لإنجاز أعمالهم المختلفة، ما يتيح لهم فرصة زيارة تلك الأماكن الجديدة ودعوة عائلاتهم إليها. ويخبرنا تاجر المواد الغذائية بالجملة "أبو سعيد"، الذي يأتي يومياً من سلمية إلى المدينة، أنه يعرف حماة شبراً شبراً، ويحرص على اكتشاف كل جديد فيها. ويضيف: "مسافة الطريق لا تستغرق سوى نصف ساعة، حيث آتي وعائلتي كل أسبوع لنقضي يوماً كاملاً في المدينة". بعد التحرير، تبدو حماة، أو "حامات" و"إيماتا" بالآرامية والكنعانية القديمة، متعددة الخيارات، وأكثر اطمئناناً وحيوية، وكأنها تستعيد دورها التاريخي بوصفها عقدة وصل وتواصل في قلب سوريا، حيث يعيد المجتمع تشكيل نفسه واكتشاف الآخرين، بعيداً عن الخوف والطغاة.  

المصدر