الاكتناز العقاري في سوريا.. حين تصبح الأرض أكثر إغراءً من المصنع



تلفزيون سوريا: الثلاثاء, 13 تشرين الأول 2026 الساعة 6 صباحاً

في حلب، على أرض مصنع كان مخصصًا لصناعة النسيج، يستعد مشروع عقاري لاحتلال المكان. الآلات التي كان يُفترض أن تعود إلى الدوران، والعمال الذين كان يمكن أن يعودوا إلى خطوط الإنتاج، غابوا عن مستقبل الموقع، فيما حضرت الأبنية والوحدات العقارية بوصفها فرصة استثمارية جديدة. إنها أرض مصنع "علبي تكس"، التي أعلنت هيئة الاستثمار السورية ومحافظة حلب إطلاق مشروع "العلبي" العقاري عليها، ليكون أول مشروع في سوريا بعد التحرير ينطلق وفق الآلية المعتمدة في نظام مزاولة مهنة التطوير والاستثمار العقاري الجديد. وجاء إطلاقه ضمن متابعة حزمة مشاريع استثمارية مرخصة حديثًا في حلب، بقيمة إجمالية تقارب 800 مليون دولار، وهو رقم يخص الحزمة لا المشروع وحده. ويختصر انتقال الموقع من مصنع كان يُنتظر أن يعود إلى الإنتاج إلى مشروع عمراني جديد جانبًا من التحولات التي يشهدها الاقتصاد السوري. فالأرض التي كانت قيمتها ترتبط بما تنتجه، باتت تحمل قيمة استثمارية لما يمكن أن يُبنى فوقها. وفي بلد خرج من حرب طويلة، يحتاج إلى إعادة بناء منازله ومصانعه واقتصاده، تبدو العقارات وجهة مغرية لرؤوس الأموال، بينما تنتظر قطاعات إنتاجية استثمارات تعيد تشغيلها. فالمستثمر يبحث عن الربح والأمان، والمواطن يبحث عن عمل ودخل وسقف يأويه، وبين الاثنين تتسع مسافة يصعب ردمها بمجرد تشييد المزيد من الأبنية. فلماذا تبدو الأرض أكثر جاذبية من المصنع؟ وما الذي سيحدث إذا استمرت الأموال في التوجه نحو البناء، بينما بقي الإنتاج ينتظر نصيبه؟ وكيف يمكن لبلد يحتاج إلى كل حجر لإعادة إعماره أن يضمن أن تكون وراء هذه الحجارة حياة اقتصادية قادرة على إعالة سكانه؟ اقرأ أيضاً يوفر 5 آلاف فرصة عمل.. "بومونت دمشق" مشروع عقاري بـ300 مليون دولار مطلّ على بردى عقار يُباع قبل أن يُبنى وللعقار جاذبية أخرى قد تجعل حساباته أكثر إغراءً، خصوصًا عندما يستطيع المستثمر البدء بجمع الأموال قبل أن يبدأ البناء. يلفت رجل الأعمال السوري حمزة الديري إلى أن بعض مشاريع التطوير العقاري تستطيع استقطاب المشترين بمجرد عرض المخططات والتصورات، والحصول منهم على دفعات مقدمة تُستخدم لاحقًا في تمويل أعمال الإنشاء. وفي الحالات التي يحصل فيها المطور على الأرض من خلال شراكة مع الدولة، تتراجع حاجته إلى تمويل شراء الأرض، بينما تساعده أموال المشترين على تغطية تكاليف التنفيذ. بمعنى آخر، يمكن أن يبدأ المشروع العقاري بتحصيل جزء من إيراداته قبل أن ترتفع جدرانه، بينما يحتاج صاحب المصنع إلى شراء المعدات وتأمين المواد ودفع الأجور وتشغيل خطوط الإنتاج، ثم البحث عن المشترين وانتظار العائد. وهنا تتضح إحدى المفارقات التي تمنح التطوير العقاري أفضلية في حسابات بعض المستثمرين؛ فالأموال التي يحتاج إليها المصنع قبل أن ينتج، يستطيع المطور العقاري، في بعض الحالات، تحصيل جزء منها قبل أن يبني. ولا يعني البيع على المخطط، في ذاته، اكتنازًا عقاريًا، لكنه قد يتحول إلى قناة له عندما تُشترى الوحدات للاحتفاظ بها خارج الاستخدام انتظارًا لارتفاع السعر، لا للسكن أو التأجير. لكن هذه المعادلة تحمل مخاطرها أيضًا. فالديري يحذر من جمع الأموال مسبقًا دون ضمانات كافية، ومن احتمال استخدام دفعات المشترين لتمويل مشاريع أخرى، بما قد يترك أصحاب الوحدات أمام أبنية متعثرة وأموال يصعب استردادها. ويطرح ذلك سؤالًا يتجاوز سهولة الاستثمار إلى مسؤولية تنظيمه: من يضمن أن تتحول الأموال التي يدفعها الناس إلى منازل فعلية، وأن يمتلك المطور القدرة المالية والفنية على إتمام ما وعد به؟ الأبنية ترتفع.. والرواتب؟ في بلد يحتاج إلى مساكن بعد سنوات من الدمار والتهجير، تبدو عودة البناء ضرورة يصعب تجاهلها. لكن زيادة المشاريع العقارية تفتح مفارقة أخرى: قد ترتفع الأبنية في المدن، بينما تظل المسافة بين راتب المواطن وثمن المنزل أكبر من قدرته على تجاوزها. فالمشكلة بالنسبة إلى كثير من السوريين تتعلق أيضًا بما يستطيعون دفعه مقابل السكن، وبنوعية المساكن التي تُطرح في السوق، والفئات التي تستطيع الوصول إليها. ويلفت الكاتب والباحث الاقتصادي الدكتور خالد الحمدي إلى أن المشاريع والاتفاقيات المعلنة تعكس اهتمامًا متناميًا بالعقارات والتطوير العمراني والفنادق، لكنه يشدد على ضرورة التمييز بين الاستثمارات المعلنة وتلك التي دخلت التنفيذ الفعلي، وكذلك تجنب افتراض غياب الاستثمار الصناعي والزراعي بصورة كاملة. ويرى الحمدي أن الخطر يظهر عندما ترتفع قيمة العقارات بوتيرة تتجاوز نمو الأجور والدخول، فتتسع الفجوة بين المواطن والمسكن الذي يحتاج إليه. وإذا كانت العقارات بالنسبة إلى أصحاب الأموال وسيلة لحفظ الثروة وتنميتها، فإنها بالنسبة إلى الأسرة التي تبحث عن منزل تمثل حاجة أساسية ترتبط باستقرارها وقدرتها على الإنفاق على التعليم والصحة وسائر متطلبات الحياة. وتزداد هذه المفارقة حدة عندما تتجه المشاريع نحو الوحدات مرتفعة الثمن، في وقت يحتاج فيه جزء واسع من السكان إلى مساكن تتناسب مع دخولهم. لكن الحمدي يوضح أن أزمة السكن أوسع من حركة الاستثمار العقاري، إذ تتداخل فيها آثار الحرب والدمار ونقص المعروض المناسب وارتفاع تكاليف البناء والتمويل وضعف الدخول الحقيقية. وبذلك قد تشهد المدن نشاطًا عمرانيًا متزايدًا، من دون أن ينعكس بالضرورة على قدرة السكان على امتلاك المنازل أو تحمل إيجاراتها. أما على مستوى الاقتصاد، فيحذر عربش من أن التركيز المفرط على البناء، مع محدودية التوسع في الصناعة والزراعة، قد يزيد الاعتماد على الواردات ويضغط على العملة الأجنبية. فالأبنية تحتاج إلى مواد وتجهيزات، وإذا كانت المصانع المحلية عاجزة عن تلبية جزء كافٍ من هذه الاحتياجات، فإن قسمًا من الأموال التي تتحرك داخل ورش البناء سينتهي به المطاف في الأسواق الخارجية لشراء المستوردات. ويشير عربش كذلك إلى أن البناء يوفر فرص عمل مهمة، لكنها ترتبط في جانب منها بمراحل الإنشاء، بينما تستطيع المشاريع الصناعية خلق وظائف إنتاجية ممتدة وتطوير مهارات مهنية يحتاج إليها الاقتصاد. اقرأ أيضاً إعادة إطلاق "البوابة الثامنة" بريف دمشق.. ما أبرز مميزات المشروع؟ كيف يعود المال إلى الإنتاج؟ أمام هذه المعادلة، تبدو مطالبة المستثمرين بإنشاء المصانع والمشاريع الزراعية وحدها غير كافية. فالأموال تتحرك نحو الفرص التي تمنح أصحابها عائدًا مناسبًا ومستوى مقبولًا من المخاطر، وأي تغيير في وجهتها يبدأ من تغيير هذه الحسابات. ويرى المصطفى أن مسؤولية الدولة تكمن في جعل مصلحة المستثمر أقرب إلى المصلحة العامة، عبر تخفيض مخاطر المشاريع الإنتاجية وربط الحوافز الاستثمارية بنتائج يمكن قياسها، مثل الوظائف والأجور وحجم الإنتاج. وتبدأ هذه المهمة من توفير الكهرباء والطاقة والتمويل، وحماية حقوق الملكية، وتبسيط الإجراءات، واستقرار القوانين، وصولًا إلى بيئة يستطيع فيها المستثمر حساب تكاليف مشروعه والعوائد المتوقعة منه على المدى الطويل. ويتقاطع ذلك مع رؤية عربش، الذي يدعو إلى إعطاء الأولوية لإزالة العوائق أمام الإنتاج، وتوفير التمويل الميسر، وتطوير البنية التحتية، واعتماد سياسة تجارية متوازنة تحمي الصناعات الناشئة من المنافسة غير المتكافئة، مع ضمان وصول المواد والمعدات اللازمة للإنتاج بتكاليف مناسبة. وتبرز أهمية هذه السياسة في حديث الذرعاوي، الذي يرى أن قرارات الاستيراد والتصدير والرسوم الجمركية تحتاج إلى قدر من الاستقرار يسمح للمستثمر بوضع خطط طويلة الأمد. لكن توجيه الأموال نحو الإنتاج يصطدم بعقبة أخرى، تتعلق بطبيعة المستثمرين أنفسهم. فمن اعتاد شراء العقارات وتطويرها قد يمتلك رأس المال، من دون أن يمتلك الخبرة اللازمة لإدارة مصنع أو مشروع زراعي، بما يتطلبه ذلك من تشغيل يومي وإدارة للعمال والتكاليف والتسويق. ولهذا يقترح الذرعاوي توسيع الشراكات بين أصحاب الأموال وأصحاب الخبرات، وإنشاء شركات وصناديق تمويل متخصصة تتيح لرؤوس الأموال دخول القطاعات الإنتاجية دون اشتراط إدارة المستثمر لهذه المشاريع بنفسه. أما الديري، فيدعو إلى النظر إلى سوريا بوصفها سوقًا يمكن الإنتاج والتصدير منها، والاستفادة من خبرات السوريين في الخارج وعلاقاتهم لجذب رؤوس أموال جديدة إلى الصناعة والتكنولوجيا وغيرها من الأنشطة الاقتصادية. وتلتقي هذه الطروحات عند فكرة واحدة: لكي يذهب المال إلى المصنع، يجب أن تصبح إقامة المصنع فرصة اقتصادية يستطيع المستثمر الوثوق بجدواها. حتى العقار يحتاج إلى قواعد وإذا كانت معالجة مخاطر الإنتاج ضرورية لجذب الاستثمارات إليه، فإن تنظيم التطوير العقاري يمثل جانبًا آخر من المعادلة. فالديري يقترح إنشاء جهة حكومية تتولى إدارة الدفعات المقدمة التي يدفعها المشترون، بحيث تُحفظ الأموال وتُصرف تدريجيًا وفق مراحل التنفيذ، من خلال رقابة مشتركة تضمن استخدامها في المشروع نفسه. كما يدعو إلى تقييم أهلية المستثمرين فنيًا وماليًا قبل منحهم حق تنفيذ المشاريع، للتحقق من خبراتهم السابقة وقدرتهم على الوفاء بالتزاماتهم. ويرى أن مثل هذه الإجراءات يمكن أن تحد من دخول مطورين يفتقرون إلى الملاءة المالية الكافية، وتمنع تحول أموال المشترين إلى وسيلة سهلة لتمويل توسع عقاري غير منضبط. وفي المقابل، يدعو خالد الحمدي إلى توجيه الامتيازات الاستثمارية نحو المشاريع التي توفر وظائف مستدامة، وتزيد الإنتاج المحلي والصادرات، مع وضع مؤشرات واضحة لقياس أثرها الاقتصادي والاجتماعي. ويشدد كذلك على تحفيز بناء المساكن الاقتصادية والمتوسطة، وتطوير التمويل العقاري، وربط بعض التسهيلات بتوفير وحدات سكنية تتناسب مع دخول شرائح واسعة من السوريين. وهنا تبرز فرصة أخرى قد تجعل البناء نفسه مدخلًا لتنشيط الإنتاج. فمشاريع الإعمار تحتاج إلى مواد بناء وتجهيزات وأثاث وخدمات هندسية ونقل، ويمكن أن تتحول هذه الاحتياجات إلى طلب مستمر على المنتجات والخدمات المحلية، إذا توافرت القدرة على إنتاجها بجودة وأسعار تنافسية. وبهذه الطريقة، يمكن أن تنتقل آثار الاستثمار من موقع البناء إلى المصانع والورش والأسواق، وأن تصبح إعادة الإعمار مصدرًا لفرص عمل تمتد إلى ما بعد انتهاء المشروع. اقرأ أيضاً

المصدر