
تلفزيون سوريا: الثلاثاء, 17 شباط 2026 الساعة 4 صباحاً
العدالة الانتقالية ترتبط مباشرة بشرعية النظام السياسي القادم، وبثقة المجتمع في مؤسساته، وبقدرة القانون على فرض معاييره فوق اعتبارات القوة والتسويات. وفي الحالة السورية، وبعد اجتماع مع أعضاء هيئة العدالة الانتقالية في زيارتها الأخيرة إلى لاهاي، نود التأكيد في هذه المدونة أنه لا يمكن التعامل مع العدالة الانتقالية بوصفها بندًا سياسيًا قابلًا للتأجيل، لأن حجم الانتهاكات وطبيعتها البنيوية يجعلان منها شرطًا ضروريًا لأي استقرار مستقبلي قابل للحياة.
غير أن الإشكالية المركزية لا تكمن في الاعتراف النظري بأهمية العدالة الانتقالية أو بوجودها ككيان قائم فحسب، بل في كيفية ترجمتها إلى بنية مؤسساتية واضحة وفاعلة. فالإعلان عن تشكيل هيئة للعدالة الانتقالية لا يكتسب قيمته من وجوده الشكلي، بل من وضوح ولايتها، واستقلالها، وصلاحياتها، وقدرتها العملية على إنتاج أثر قانوني ملموس. وفي السياق السوري، ما تزال الأسئلة الجوهرية معلقة دون إجابات حاسمة: ما الدور القضائي الفعلي للهيئة؟ هل تمتلك صلاحية فتح دعاوى عامة مستقلة؟ ما علاقتها بالسلطة القضائية التقليدية؟ كيف يُختار القضاة المختصون بقضايا الجرائم الجسيمة؟ وما الضمانات الفعلية لاستقلال قراراتها؟
جوهر العدالة الانتقالية
إن غياب الوضوح في هذه المسائل لا يمثل خللًا إجرائيًا بسيطًا، بل يمس جوهر فكرة العدالة الانتقالية. فالمؤسسات التي تعمل في هذا المجال لا يمكن أن تقوم بوظيفتها في ظل ضبابية قانونية أو تضارب في الصلاحيات، لأن العدالة بطبيعتها تتطلب تحديدًا صارمًا للمسؤوليات والاختصاصات. فالعدالة الانتقالية ليست خطابًا سياسيًا ولا مشروعًا رمزيًا، بل منظومة قانونية تتطلب دقة في البناء واستقلالًا في القرار.
في هذا الإطار، تبرز مسألة استقلال الهيئة بوصفها النقطة الأكثر حساسية. فالعدالة الانتقالية، بحكم طبيعتها، معنية بمساءلة انتهاكات غالبًا ما تكون مرتبطة ببنية السلطة السابقة ذاتها، أو بالانتهاكات التي ارتُكبت خلال العقد الأخير على أيدي فصائل وقوات وميليشيات متعددة، الأمر الذي يجعل استقلالها عن السلطة التنفيذية شرطًا وجوديًا. إن أي هيمنة تنفيذية على آليات التعيين أو اتخاذ القرار لا تُفقد الهيئة حيادها فحسب، بل تقوض صدقيتها منذ البداية. فالعدالة التي تُدار ضمن توازنات السلطة لا يمكن أن يُنظر إليها بوصفها عدالة، بل كامتداد سياسي بصيغة قانونية.
إن الفجوة القائمة بين هيئة العدالة الانتقالية والحاضنة الشعبية، ولا سيما أهالي الضحايا، تمثل مؤشرًا خطيرًا على أزمة ثقة متنامية.
التسويات وأثرها
الأكثر خطورة من ذلك هو ما يُتداول على نطاق واسع بشأن التسويات مع شخصيات بارزة من بنية النظام السابق، ولا سيما كبار الضباط والمسؤولين الأمنيين، في سياقات يُشار فيها إلى مقايضات ذات طابع مالي. وبصرف النظر عن التفاصيل أو مدى التحقق من كل حالة، فإن المشكلة لا تكمن فقط في صحة هذه المزاعم، بل في أثرها البنيوي على مفهوم العدالة؛ فالعدالة الانتقالية تقوم على مبدأ واضح: الجرائم لا تخضع للتفاوض، ولا تُطوى بالتسويات السياسية أو المالية أو بشراء الولاءات.
إن إدخال منطق التسوية إلى ملفات الجرائم الكبرى يُنتج خللًا قانونيًا وأخلاقيًا مزدوجًا؛ فمن جهة يُفرغ مبدأ عدم الإفلات من العقاب من مضمونه، ومن جهة أخرى يخلق شرخًا عميقًا بين المؤسسات العدلية والضحايا والمجتمع. فالضحايا لا يرون في العدالة آلية إدارية، بل حقًا جوهريًا غير قابل للمساومة. وأي انطباع بأن المساءلة يمكن استبدالها بالتسوية يهدد بتحويل العدالة الانتقالية إلى عملية شكلية من دون مضمون.
هنا تحديدًا تتجلى أزمة المفاهيم: هل تُدار العدالة باعتبارها معيارًا قانونيًا ثابتًا، أم باعتبارها ملفًا سياسيًا مرنًا؟ هل يُعامل مرتكبو الجرائم الجسيمة وفق قواعد القانون، أم وفق منطق التوازنات والمصالح؟ إن العدالة الانتقالية التي تُخضع المساءلة لحسابات القوة تفقد معناها البنيوي، لأنها تتحول من أداة لإعادة تأسيس الشرعية إلى أداة لإعادة توزيع النفوذ.
الإعلان الدستوري والفراغ القانوني
تزداد هذه الإشكالية تعقيدًا في ظل الفراغات القائمة في الإعلان الدستوري، ولا سيما عدم النص الصريح على آليات تجريم بعض الأفعال المرتبطة بجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، وغياب آليات واضحة لتشكيل مجلس قضائي مستقل، أو حتى آلية تشكيل مجلس القضاء الأعلى، وهو الأهم في هذا السياق. فالعدالة الانتقالية لا يمكن أن تبقى رهينة النصوص أو قاعات الاجتماعات، لأن الجرائم الجسيمة في العرف الدولي تخضع لمنظومة القانون الدولي الإنساني والقانون الجنائي الدولي. وعليه، فإن الفراغ التشريعي لا يلغي الجريمة، ولا يعطل المساءلة، ولا يمنح حصانة ضمنية لأي طرف. وهنا يمكن أن يبرز دور هيئة العدالة الانتقالية، التي لم تنفذ بعد أي خطوات ملموسة في هذا المضمار.
غير أن التحدي لا يقتصر على البنية القانونية والمؤسسية، بل يمتد إلى المجال الاجتماعي. إن الفجوة القائمة بين هيئة العدالة الانتقالية والحاضنة الشعبية، ولا سيما أهالي الضحايا، تمثل مؤشرًا خطيرًا على أزمة ثقة متنامية. فالعدالة الانتقالية لا تستمد شرعيتها من النصوص وحدها، بل من الاعتراف الاجتماعي بها كمؤسسة فاعلة وقادرة على إنتاج أثر حقيقي. وإذا ترسخ الانطباع بأنها كيان شكلي بلا صلاحيات فعلية، فإن ذلك لا يقوض الهيئة فحسب، بل يهدد فكرة العدالة ذاتها.
فالضحايا لا يبحثون عن خطاب رمزي أو اعتراف نظري، بل عن مسار قانوني واضح: تحقيقات مستقلة، ودعاوى فعلية، ومحاكمات عادلة، وآليات جبر ضرر ملموسة، وبرامج خاصة تُبث حول محاور عمل هيئة العدالة الانتقالية. لأن العدالة الانتقالية التي لا تنتج نتائج مرئية تتحول تدريجيًا إلى مفهوم فارغ في الوعي العام، حتى لو افترضنا، اصطلاحًا، أن صياغتها القانونية سليمة.
الغموض المؤسسي
في هذا السياق، تصبح الشفافية ضرورة بنيوية. فالغموض المؤسسي، وغياب التواصل الواضح مع الرأي العام، وعدم توضيح حدود الصلاحيات والتحديات، كلها عوامل تُغذي الشك وتوسع فجوة الثقة. العدالة الانتقالية بطبيعتها عملية حساسة ومشحونة سياسيًا وأخلاقيًا، ولا يمكن إدارتها في الظل أو عبر خطاب عام مبهم. وعليه، لا بد من وجود مكتب إعلامي في الهيئة يتولى التواصل عبر الإذاعة والتلفزيون، ويبث بشكل يومي، خلال ساعات محددة، برامج وأعمالًا توضح خطط الهيئة وأعمالها. فمع أكثر من نصف الشعب السوري ضحيةً لانتهاكات، يصبح اطلاع المجتمع على مسار العدالة أمرًا ضروريًا وإجباريًا.
السؤال المركزي الذي يفرض نفسه بوضوح هو الآتي: هل تمتلك هيئة العدالة الانتقالية في سوريا استقلالًا فعليًا يمكّنها من ممارسة دورها دون تدخل سياسي؟ وهل تُدار المساءلة وفق قواعد قانونية ثابتة أم وفق منطق التسويات؟ إن الإجابة عن هذا السؤال لا تحدد فقط مصير الهيئة، بل ترسم ملامح الدولة القادمة. فالعدالة الانتقالية ليست ملفًا قطاعيًا ضمن منظومة إدارية، بل لحظة تأسيسية تعيد تعريف العلاقة بين السلطة والقانون. الدولة التي تُعيد إنتاج الإفلات من العقاب تحت أي مسمى تؤسس لهشاشتها المستقبلية، والدولة التي تُخضع العدالة لمنطق التسويات تفقد معيارها الأخلاقي قبل أن تفقد صدقيتها القانونية.
لا يُقاس نجاح العدالة الانتقالية بوجود هيئة أو لجان، بل بقدرتها على فرض منطق القانون فوق منطق القوة، وتثبيت المساءلة فوق منطق التسوية، وإنتاج أثر يعيد للضحايا موقعهم بوصفهم حاملي حق، لا أطرافًا هامشية في معادلة سياسية.
دور هيئة العدالة الانتقالية
إن تحصين الهيئة من الهيمنة التنفيذية، وضمان استقلالها الحقيقي، وتفعيل دورها في فتح الدعاوى الكبرى، والقطع الواضح مع أي مقاربات تقوم على المقايضة أو التسوية خارج الإطار القضائي، ليست مطالب مثالية أو شعارات سياسية، بل شروط أساسية لبقاء فكرة العدالة ذاتها قابلة للحياة. فالعدالة، في معناها الدقيق، ليست خطابًا توافقيًا ولا أداة إدارة مرحلية، بل معيارًا قانونيًا لا يحتمل الانتقائية. وحين تُختزل العدالة في واجهة شكلية، لا يكون الضرر محصورًا في مؤسسة بعينها، بل يمتد ليصيب شرعية الدولة، وثقة المجتمع، وإمكانية الانتقال ذاته.
في نهاية المطاف، ووفقًا للحوار في الاجتماع الأخير مع هيئة العدالة الانتقالية في لاهاي، يمكن الجزم بأن الهيئة شبه مقيّدة ولا تملك قرارها القضائي الكامل، وهي بحاجة إلى دعم كبير من جميع الأطراف المعنية، وفي مقدمتها منظمات المجتمع المدني التي أبدت اهتمامًا واضحًا بهذا الملف منذ سنوات. كما أنها بحاجة إلى ميزانية وصلاحيات أوسع لتتمكن من أداء عملها دون تقييد.
لا يُقاس نجاح العدالة الانتقالية بوجود هيئة أو لجان، بل بقدرتها على فرض منطق القانون فوق منطق القوة، وتثبيت المساءلة فوق منطق التسوية، وإنتاج أثر يعيد للضحايا موقعهم بوصفهم حاملي حق، لا أطرافًا هامشية في معادلة سياسية. وبدون ذلك، تتحول العدالة الانتقالية من مشروع تأسيسي للدولة إلى عنوان إداري من دون مضمون.
المصدر