
تلفزيون سوريا: الاثنين, 13 نيسان 2026 الساعة 6 صباحاً
شهدت العاصمة السورية دمشق في 11 نيسان 2026 حادثة أمنية تمثلت في إعلان وزارة الداخلية إحباط مخطط تخريبي كان يستهدف محيط الكنيسة المريمية للروم الأرثوذكس في منطقة باب توما التاريخية.
ووفق المعطيات الرسمية، تمكنت إدارة مكافحة الإرهاب بالتنسيق مع قيادة الأمن الداخلي في ريف دمشق من تفكيك خلية أمنية مكونة من خمسة أشخاص بعد متابعة استخبارية دقيقة لتحركات مشبوهة داخل العاصمة، وقد جرى توقيف أفراد الخلية بالكامل بعد رصد محاولة زرع عبوة ناسفة شديدة الانفجار أمام منزل إحدى الشخصيات الدينية المسيحية في محيط الكنيسة، قبل أن تتمكن فرق الهندسة من تفكيك العبوة دون وقوع إصابات أو أضرار.
لا يكتسب هذا الحدث أهميته من طبيعته الأمنية فحسب، بل من السياق السياسي والأمني الأوسع الذي يحيط به، فقد أشارت التحقيقات الأولية التي أعلنتها وزارة الداخلية السورية إلى ارتباط أفراد الخلية بـ"حزب الله" اللبناني، مع تأكيد تلقيهم تدريبات عسكرية خارج البلاد تضمنت مهارات متقدمة في تصنيع وزرع العبوات الناسفة، في المقابل، سارع الحزب إلى إصدار بيان رسمي نفى فيه أي صلة له بالحادثة، مؤكداً أنه لا يمتلك أي نشاط تنظيمي أو عملياتي داخل الأراضي السورية في المرحلة الراهنة.
ومن هذا المنطلق، لا يمكن النظر إلى إحباط محاولة التفجير في باب توما باعتباره مجرّد حادث أمني معزول، بل بوصفه مؤشراً على طبيعة التحديات التي تواجه الدولة السورية في مرحلة إعادة بناء مؤسساتها الأمنية والسياسية..
هذه المعطيات المتناقضة تضع الحادثة في إطار صراع سياسي وأمني أوسع يتجاوز حدود الواقعة نفسها، خصوصاً في ظل التحولات التي شهدتها سوريا بعد سقوط نظام بشار الأسد في كانون الأول/ديسمبر 2024 وصعود حكومة سورية جديدة برئاسة أحمد الشرع، والتي تبنّت منذ ذلك الحين مقاربة مختلفة في إدارة الأمن الداخلي والعلاقات الإقليمية، ومن هذا المنطلق، لا يمكن النظر إلى إحباط محاولة التفجير في باب توما باعتباره مجرّد حادث أمني معزول، بل بوصفه مؤشراً على طبيعة التحديات التي تواجه الدولة السورية في مرحلة إعادة بناء مؤسساتها الأمنية والسياسية.
من الناحية الأمنية العملياتية، يكشف نجاح الأجهزة المختصة في إحباط الهجوم قبل وقوعه عن تطور ملحوظ في آليات العمل الاستخباري داخل مؤسسات الدولة الجديدة، فخلال السنوات الأولى التي أعقبت سقوط نظام المخلوع، واجهت الأجهزة الأمنية تحديات كبيرة مرتبطة بإعادة الهيكلة، وتوحيد المؤسسات، وإعادة بناء شبكات الرصد والمتابعة.
وقد برزت تلك الثغرات بشكل واضح خلال الهجوم الانتحاري الذي استهدف كنيسة مار إلياس في حي الدويلعة بدمشق، في يونيو 2025، والذي أسفر عن سقوط عشرات الضحايا، وأثار آنذاك موجة من الانتقادات حول قدرة الدولة الناشئة على حماية الأقليات الدينية.
غير أن العملية الأخيرة في باب توما توحي بحدوث تحول في العقيدة الأمنية من نمط الاستجابة اللاحقة للأحداث إلى نمط الأمن الاستباقي القائم على الرصد المبكر وتحليل المؤشرات الميدانية، ويبدو أن وزارة الداخلية، بقيادة الوزير أنس خطاب، عملت خلال العام الفائت على تطوير هذا النهج عبر تعزيز التنسيق بين الأجهزة المختلفة وتوسيع التعاون الاستخباري مع بعض الشركاء الإقليميين، الأمر الذي ساهم في كشف الخلية قبل تنفيذ خطتها.
في الوقت نفسه، يحمل اختيار الهدف دلالات رمزية واجتماعية لا تقل أهمية عن البعد الأمني، فباب توما تعد واحدة من أقدم الأحياء المسيحية في دمشق، وتمثل مركزاً تاريخياً وثقافياً مهماً للمسيحيين السوريين، وبالتالي فإنّ استهداف محيط الكنيسة المريمية أو شخصية دينية مسيحية في تلك المنطقة كان من شأنه أن يترك أثراً نفسياً عميقاً داخل المجتمع، وأن يثير مخاوف واسعة لدى المكون المسيحي الذي ما زال يعيش مرحلة حساسة في ظل التحولات السياسية التي تشهدها البلاد.
لقد حاولت الحكومة السورية منذ توليها السلطة إرسال رسائل طمأنة واضحة للأقليات الدينية، عبر تأكيد التزامها بحماية التعددية الدينية وضمان أمن دور العبادة، وكان من أبرز تلك الرسائل زيارة الرئيس أحمد الشرع إلى الكنيسة المريمية في أكتوبر 2025 ولقاؤه بالبطريرك يوحنا العاشر يازجي، في خطوة رمزية هدفت إلى التأكيد على استمرار حضور المسيحيين في النسيج الوطني السوري.
من هذا المنظور، فإنّ استهداف محيط الكنيسة لا يمكن فصله عن محاولة تقويض هذه السردية الوطنية وإثارة الشكوك حول قدرة الدولة على حماية مواطنيها، فالهجمات التي تستهدف دور العبادة غالباً ما تتجاوز هدفها المباشر لتسعى إلى خلق صدمة اجتماعية وسياسية أوسع، بما يؤدي إلى توترات داخلية أو إلى إثارة قضايا الأقليات في المحافل الدولية.
أمّا البعد الجيوسياسي للحادثة فيرتبط بطبيعة التحولات الإقليمية التي أعقبت سقوط النظام في سوريا، فخلال العقد الماضي شكلت سوريا أحد الممرات الأساسية لنفوذ إيران وحلفائها في المنطقة، خصوصاً عبر الشبكة اللوجستية التي ربطت طهران ببغداد ثم دمشق وصولاً إلى بيروت، ومع التغير السياسي في دمشق واتجاه الحكومة الجديدة نحو إعادة ضبط علاقاتها الإقليمية، تعرض هذا المسار لضغوط متزايدة.
فقد اتخذت الحكومة السورية خطوات عملية لتشديد الرقابة على الحدود مع لبنان والعراق، كما عزّز الجيش السوري انتشاره في مناطق عدة بهدف الحد من تهريب السلاح والمخدرات، وفي هذا السياق، فقدت بعض القوى الإقليمية جزءاً مهماً من قدرتها على الحركة داخل الأراضي السورية، الأمر الذي قد يدفعها إلى البحث عن أدوات ضغط بديلة.
ومن هنا يمكن تفسير بعض التحليلات التي تربط الحادثة باستراتيجية الضغط غير المباشر أو ما يعرف بحرب الإرباك الأمني، فبدلاً من المواجهة العسكرية المباشرة، قد تلجأ بعض الجهات إلى استخدام خلايا صغيرة أو شبكات محلية لتنفيذ عمليات محدودة لكنها مؤثرة نفسياً وسياسياً، بما يؤدي إلى إرباك الأجهزة الأمنية واستنزاف موارد الدولة.
مع ذلك، يبقى من الضروري التعامل بحذر مع هذه الفرضيات، خاصة في ظل استمرار التحقيقات وعدم صدور أدلة تفصيلية علنية حتى الآن حول طبيعة الروابط التنظيمية للخلية التي تم توقيفها، فالاتهامات المتبادلة في مثل هذه القضايا غالباً ما تكون جزءاً من صراع الروايات السياسية بقدر ما تعكس وقائع أمنية ميدانية.
وفيما يتعلق بمواقف الفاعلين الرئيسيين، يمكن القول إن الحكومة السورية سعت من خلال الإعلان السريع عن تفاصيل العملية إلى تحقيق جملة من الأهداف، فعلى الصعيد الداخلي، أرادت إبراز قدرة الأجهزة الأمنية على العمل الاستباقي ومنع الهجمات قبل وقوعها، وهو أمر مهم لتعزيز ثقة المواطنين بالدولة في مرحلة انتقالية حساسة.
وعلى الصعيد الخارجي، يوفر هذا النوع من العمليات فرصة لعرض سورية كشريك جاد في مكافحة الإرهاب، وهو خطاب تسعى دمشق إلى ترسيخه في إطار جهودها لرفع ما تبقى من العقوبات الاقتصادية وجذب الدعم الدولي لمرحلة التعافي.
تلعب المؤسسات الدينية المسيحية دوراً مهماً في قراءة الحدث وتداعياته، فالبطريركية الأرثوذكسية في دمشق عبّرت في السابق عن قلقها من الهجمات التي طالت بعض الكنائس، لكنها في الوقت نفسه شددت على تمسكها بالبقاء في سوريا ورفضها فكرة هجرة المسيحيين من الشرق..
في المقابل، جاء نفي "حزب الله" للاتهامات سريعاً وحاسماً، وهو موقف يمكن فهمه في سياق الضغوط السياسية والعسكرية التي يواجهها الحزب في المرحلة الراهنة، خصوصاً مع استمرار التوترات على الجبهة الجنوبية للبنان، فالإقرار بأي دور في عمليات تستهدف دور عبادة أو شخصيات دينية في دولة مجاورة قد يضعه في مواجهة انتقادات عربية ودولية واسعة، ويمنح خصومه السياسيين أوراقاً إضافية في المعركة الإعلامية والسياسية الدائرة في المنطقة.
إلى جانب هذين الطرفين، تلعب المؤسسات الدينية المسيحية دوراً مهماً في قراءة الحدث وتداعياته، فالبطريركية الأرثوذكسية في دمشق عبّرت في السابق عن قلقها من الهجمات التي طالت بعض الكنائس، لكنها في الوقت نفسه شددت على تمسكها بالبقاء في سوريا ورفضها فكرة هجرة المسيحيين من الشرق، وبالتالي فإن إحباط العملية الأخيرة قد يسهم في تخفيف المخاوف داخل المجتمع المسيحي ويعزز الثقة بإجراءات الحماية التي تتخذها الدولة.
أما على المستوى الدولي، فإن حماية الأقليات الدينية في سوريا ما تزال قضية تحظى بمتابعة خاصة من قبل جهات عدة، من بينها الفاتيكان وعدد من الدول الأوروبية. وغالباً ما ترتبط هذه المسألة بالجهود الأوسع لدعم الاستقرار في سورية ومنع موجات هجرة جديدة نحو الخارج.
استناداً إلى المعطيات المتوفرة، يمكن تصور ثلاثة مسارات رئيسية قد تتطور وفقها الأحداث في المرحلة المقبلة:
المسار الأول يتمثل في استمرار ما يمكن تسميته بحرب الظل الأمنية، أي بقاء محاولات الاختراق التخريبية على مستوى منخفض أو متوسط عبر خلايا صغيرة أو شبكات محلية، ويعد هذا السيناريو من أكثر السيناريوهات ترجيحاً نظراً لكونه الأقل كلفة بالنسبة للجهات التي قد تسعى إلى ممارسة ضغط غير مباشر على الدولة السورية.
أما المسار الثاني فيتمثل في تراجع هذه المحاولات تدريجياً نتيجة تشديد الإجراءات الأمنية وتكثيف التعاون الاستخباري الإقليمي، وهو ما قد يؤدي إلى احتواء التصعيد وتحقيق درجة أعلى من الاستقرار الداخلي، خصوصاً إذا ترافق ذلك مع تحسن الأوضاع الاقتصادية وتقدم مسار إعادة الإعمار.
في حين يبقى المسار الثالث، وهو التصعيد المباشر أو المواجهة المفتوحة على الحدود السورية-اللبنانية، احتمالاً أقل ترجيحاً في المدى القريب، فالحكومة السورية ما تزال في مرحلة إعادة بناء مؤسساتها العسكرية والأمنية، كما أن معظم الأطراف الإقليمية تبدو حريصة على تجنب فتح جبهات صراع جديدة في ظل التوترات القائمة في أكثر من ساحة في الشرق الأوسط.
في ضوء ما سبق، يمكن القول إن إحباط محاولة التفجير في محيط الكنيسة المريمية يمثل اختباراً مهماً لقدرة الدولة السورية على إدارة التحديات الأمنية في مرحلة ما بعد النزاع، فهو من جهة يعكس تقدماً ملموساً في أداء الأجهزة الأمنية، ومن جهة أخرى يكشف استمرار وجود بيئة إقليمية معقدة يمكن أن تولد تهديدات غير تقليدية في أي وقت.
وبالتالي فإن الحفاظ على الاستقرار يتطلب مواصلة العمل على ثلاثة مسارات متوازية: تعزيز كفاءة المؤسسات الأمنية والاستخبارية، وترسيخ الثقة بين الدولة ومختلف المكونات الاجتماعية والدينية، إضافة إلى تطوير شبكة من الشراكات الإقليمية والدولية لمكافحة التهديدات العابرة للحدود. فنجاح هذه المسارات مجتمعة سيكون عاملاً حاسماً في تحديد قدرة سورية على تجاوز المرحلة الانتقالية وبناء بيئة أمنية أكثر استقراراً في السنوات المقبلة.
المصدر