سوريا والأردن وتركيا.. أكثر من مجرد اتفاقيات نقل



تلفزيون سوريا: الاثنين, 13 نيسان 2026 الساعة 6 صباحاً

أقرّ الاجتماع الثلاثي اللافت لوزراء النقل في سوريا والأردن وتركيا، في العاصمة الأردنية عمّان، الثلاثاء الفائت، مذكرةَ تفاهمٍ بين الأطراف للربط الثنائي والثلاثي والجماعي مع دول الخليج العربي وأوروبا وآسيا الوسطى والبحار: الأحمر والمتوسط والأسود، فيما بدا تطبيقاً برّياً لفكرة الممرّ والجسر الواصل بين قارات العالم والبحار الأربعة. أمّا البعد الاستراتيجي، فيُكرّس حريةَ الحركة للمواطنين والبضائع، وسوقاً مشتركةً عربيةً وإسلاميةً ممتدةً وواسعةً، بعيداً عن جدال الأيديولوجيا ونقاشها الزائد غير المجدي، مع إبقاء الباب مفتوحاً أمام لبنان، الحاضر أصلاً في الاتفاقيات السابقة، والعراق، ولكن بعد فرض الدولتين سيطرتهما وسلطتهما على كامل أراضيهما، واحتكار القوة والسلاح والقرار، بعيداً عن الميليشيات المسلحة غير الشرعية والمُشغَّلة خارجياً. إذن، أقرّ اجتماع عمّان بين وزراء النقل في سوريا والأردن وتركيا (يعرب بدر، ونضال القطامين، وعبد القادر أورال أوغلو) مذكرةَ تفاهمٍ ثلاثيةً تستند أساساً إلى اتفاقيات ثنائية، لتسهيل حركة مرور البضائع والشاحنات البرية بين البلدان الثلاثة ودول الخليج العربي وأوروبا وآسيا الوسطى (أوراسيا)، عبر سوريا التي تبدو هنا وكأنها نقطة الربط بين القارات ودول الخليج العربي وتركيا، وهو أمرٌ طبيعي وواقعي قائم أساساً على المصالح الثنائية والجماعية، وكان يجب أن يحدث منذ سنوات، بل عقودٍ طويلة. لا بد من التذكير بخطة العام 2010 التي أسماها الرئيس رجب طيب أردوغان، ذات مرة، "سوق الـ100 مليون نسمة"، وتضمنت اتفاقية حرية الحركة للمواطنين والبضائع بين تركيا وسوريا والأردن ولبنان، وقيل آنذاك إن الباب مفتوح أمام انضمام العراق كذلك.. تاريخياً، نحن أمام إحياءٍ وتحديثٍ لخطّ سكة حديد الحجاز التاريخي؛ ليمثّل حلقة وصل بين تركيا وسوريا والأردن والسعودية والخليج العربي، وكان يتفرّع إلى كامل سوريا التاريخية (لبنان وفلسطين)، ومن هناك إلى مصر والسودان، لتجسيد وتسهيل حرية الحركة للمواطنين والبضائع، بمعنى أن التنقّل البرّي لا يقتصر على الشحنات التجارية والبضائع، مع الإشارة إلى خطة تركية بكلفة عالية (100 مليون دولار)، أعلن عنها وزير النقل قبل اجتماع عمّان مباشرة، وتتضمن تأهيل خط الحجاز بين تركيا وحلب، وهو جاهز من هناك نحو دمشق والأردن، ومن ثم إلى الخليج العربي. هذا المشهد كان يجب أن يحدث منذ سنوات، بل عقودٍ طويلة، لكنه تأخر في ظل العداء والقطيعة غير المبرَّرة بين تركيا والعالم العربي. وفي العقود الأخيرة، مثّل نظام بشار الأسد عائقاً مركزياً أمامه، بتعاطيه مع القضايا الاستراتيجية والكبرى من زاوية فئوية ومصلحته الضيقة وبقائه في السلطة بأي ثمن، وكل ثمن. في هذا السياق، لا بد من التذكير بخطة العام 2010 التي سماها الرئيس رجب طيب أردوغان، ذات مرة، "سوق الـ100 مليون نسمة"، وتضمنت اتفاقية حرية الحركة للمواطنين والبضائع بين تركيا وسوريا والأردن ولبنان، وقيل آنذاك إن الباب مفتوح أمام انضمام العراق كذلك، مع انفتاح تركي على تحديث الاتفاقية كما حصل مع الأردن، وفق المصالح المشتركة وقاعدة "رابح-رابح"، بينما وقف بشار الأسد، منذ الثورة السورية حتى سقوطه، حاجزاً أمامها، وبالتالي أمام الانخراط اللبناني الفعلي بها. وبالعودة إلى مذكرة تفاهم عمّان الأخيرة، فلا بدّ من تفكيك المشهد لفهمه ثنائياً وثلاثياً وجماعياً، فمع وجود اتفاقيات ثنائية بين الأطراف الثلاثة، جاءت مذكرة عمّان كمحصلة جماعية لها. وبشيءٍ من التفصيل، ثمّة اتفاقيات ثنائية للنقل البري بين سوريا والأردن، لتسهيل حركة البضائع والشاحنات بين البلدين، ووصول الأردن إلى لبنان وموانئ سوريا على المتوسط، وحقّ هذه الأخيرة بالوصول براً إلى دول الخليج العربي، وعبر ميناء العقبة إلى البحر الأحمر، ومن هناك إلى بحر العرب والمحيط الهندي وآسيا. وأمرٌ مماثل يمكن قوله عن اتفاقيات ثنائية بين سوريا وتركيا، تضمن وصول الشاحنات والبضائع السورية إلى الأسواق الأوروبية وأورو-آسيا وآسيا الوسطى والقوقاز والبحر الأسود، ووصول الشاحنات والبضائع التركية إلى لبنان والأردن والخليج العربي. وثمّة اتفاقيات وتفاهمات مماثلة سابقة لتسهيل حرية حركة المواطنين والبضائع بين تركيا والأردن، منها خطة "سوق الـ100 مليون نسمة"، بينما عادت سوريا، بعد سقوط النظام، لتمثّل جسراً وممرّاً لوصول البضائع والشاحنات الأردنية إلى تركيا و"أوراسيا" (أوروبا وآسيا الوسطى)، والتركية إلى الأردن ودول الخليج العربي والبحر الأحمر ومصر، للوصل بين البحرين المتوسط والأحمر، حسب التعبير الحرفي لوزير النقل التركي أورال أوغلو. وبالعموم، وفي المشهد العام، نتحدث عن سوق مشتركة عربية وإسلامية ممتدة وواسعة، من ربع مليار نسمة تقريباً في البلدان الثلاثة ومصر والخليج العربي وآسيا الوسطى، وطريق بري-بحري سيمثّل مع الوقت بديلاً لمضيق وممر هرمز، الذي بات سيّئ الصيت بعد الحرب الأخيرة، وبالتأكيد، لا حضور لإيران في المشهد الجديد في ظل تماديها في الاعتداءات غير الشرعية وغير المبررة ضد دول الخليج العربي والأردن، وخروجها من الحرب مستنزَفة وضعيفة ومعزولة ومنهارة اقتصادياً. ولا يقلّ أهمية عمّا سبق تمثيلُ الممر-الجسر-الطريق البري/البحري الجديد بديلاً للممر الهندي-الإسرائيلي بين الشرق والخليج والغرب وأوروبا، حيث لا مكان لإسرائيل أيضاً في المشهد الجديد، مع تحريضها على الحرب ضد إيران دون أخذ مصالح ومواقف الدول الخليجية والعربية والإسلامية بعين الاعتبار، وبالتالي، لا ضرورة ولا مبرر للتواصل أو التطبيع معها بأي شكل من الأشكال، خاصة في ظل ممارساتها وجرائمها وخياراتها العسكرية في غزة وفلسطين وسوريا ولبنان والمنطقة عموماً. وكان الباب، وما يزال، مفتوحاً أولاً أمام لبنان "الجديد"، الحاضر في منظومة و"سوق الـ100 مليون نسمة"، إذ بات بإمكانه الوصول إلى أوروبا وآسيا الوسطى عبر سوريا وتركيا، والخليج العربي عبر الأردن، شرط التحرر نهائياً من الوصاية الإيرانية المنهارة، وفرض الحكومة والقيادة الشرعية في لبنان سيطرتها على كامل أراضيها، واحتكار القوة والسلاح، وحلّ كل المجموعات والميليشيات غير الشرعية، وفق قاعدة: سلطة واحدة، قانون واحد، وسلاح واحد. أصبحت سوريا الجديدة، بموقعها المميّز، خاصة إثر الحرب الأخيرة والتحولات الهائلة في المنطقة، نقطةَ ربطٍ ووصلٍ بالاتجاهين: من الخليج والأردن والعراق إلى المتوسط والبحر الأحمر وتركيا وأوروبا وأورو-آسيا.. والأبواب مفتوحة كذلك أمام العراق الجديد بالمعنى الكامل، كما كانت دائماً، لكن مع ضرورة التحرر من الوصاية الإيرانية، وفرض الحكومة الجديدة سيطرتها، كما في لبنان، على السلاح، وحلّ المنظومات غير الشرعية المشغَّلة إيرانياً، وبإمكانه كذلك لعب دور مركزي في السوق والمشهد برمّته، لامتلاكه حدوداً مع الأردن، والوصول بالتالي إلى البحر الأحمر وبحر العرب والمحيط الهندي بعيداً عن هرمز وأزماته، وعبر سوريا إلى موانئ المتوسط وتركيا وأوروبا وآسيا الوسطى، مع التذكير بطريق البصرة البري وخط السكة الحديد إلى تركيا، والمشروع العملاق بشراكة رباعية مع قطر والإمارات وتركيا، الذي يمكن أن يمثّل ممراً لدول الخليج العربي إلى أوروبا وآسيا الوسطى، ونظرياً تجاوز هرمز والممرات البحرية المأزومة بعيداً عن التدخل الأميركي والإيراني. في الختام، وباختصار، أصبحت سوريا الجديدة، بموقعها المميّز، خاصة في إثر الحرب الأخيرة والتحولات الهائلة في المنطقة، نقطةَ ربطٍ ووصلٍ بالاتجاهين: من الخليج والأردن والعراق إلى المتوسط والبحر الأحمر وتركيا وأوروبا وأورو-آسيا، وهذه فرصة تاريخية هائلة باتت في المتناول، ولا بدّ من استغلالها جدياً وبمسؤولية عالية من قبل القيادة السورية، بالتوازي مع المضي قدماً في عملية إعادة البناء الجامعة دستورياً ومؤسساتياً وسياسياً واقتصادياً واجتماعياً، وكذلك عربياً وإسلامياً، بعيداً عن الشعارات والخطابات، والتركيز على تحقيق وتجسيد المصالح المشتركة على الأرض. وهذا، كما حصل في أوروبا منذ عقود، عبر مسار السوق المشتركة والاتحاد والاندماج، مع التذكير بامتلاكنا مقوّمات تفوق بكثير ما تمتلكه القارة العجوز، من حيث غياب الحروب العالمية بيننا، إضافة إلى عوامل الدين واللغة والثقافة والحضارة وعلاقات الجيرة والمصالح الراسخة عبر التاريخ، بانتظار تحقّق حلم انضمام فلسطين، بعد تحريرها، إلى هذه المنظومة، رغم كل الدعاية حول إسرائيل وقوتها، ومع القناعة بزوالها كغيرها من التجارب الاستعمارية عبر التاريخ.

المصدر