
تلفزيون سوريا: الاثنين, 13 نيسان 2026 الساعة 6 صباحاً
في خضم التحولات الاقتصادية التي تشهدها سوريا، عاد ملف فتح الاستيراد إلى واجهة النقاش العام، وسط تباين حاد في الآراء حول جدواه وتداعياته، فبين من يراه خطوة ضرورية لإنعاش الأسواق وتخفيف الضغط عن المستهلك، ومن يحذر من انعكاساته على الصناعة المحلية الهشة، وهنا يبرز تساؤل جوهري، هل تمثل هذه السياسات فرصة لإعادة التوازن الاقتصادي، أم أنها تهدد ما تبقى من قدرة الإنتاج الوطني وتقضي ربما على الصناعة المحلية؟
دعم غائب وضغوط متزايدة
في ظل توجهات لفتح الأسواق أمام المنتجات المستوردة بهدف تحفيز الحركة التجارية، تتصاعد التحذيرات من انعكاسات هذه السياسات على الصناعة المحلية، وفي هذا السياق، قال الباحث الاقتصادي أحمد عزوز لموقع تلفزيون سوريا إن الواقع الذي يواجهه الصناعيون السوريون يكشف عن فجوة واضحة بين السياسات المعلنة واحتياجات القطاع الإنتاجي، مشيراً إلى أن الإجراءات الحالية لا تقدم دعماً حقيقياً للصناعات المحلية، بل تزيد من أعبائها في ظل أزمات اقتصادية متراكمة.
ويضيف عزوز أن تخفيض الرسوم الجمركية قد يبدو خطوة منطقية لتنشيط السوق، إلا أنه يبقى إجراء شكليا ما لم يترافق مع سياسات موازية لدعم الإنتاج المحلي، فبحسب رأيه، تتحمل المصانع المحلية أعباء إضافية، في وقت يمنح فيه الاستيراد أولوية لا تنسجم مع هشاشة البيئة الاقتصادية.
اقرأ أيضاً
بعد جدل.. هيئة الاستثمار السورية تصدر بياناً حول "خصخصة" المستشفيات الحكومية
عوائق أمام المنافسة
لا تتوقف التحديات التي تواجه الصناعة السورية عند أزمة الطاقة، بل تمتد لتشمل البنية التحتية المتدهورة التي باتت، وفق ما يشير إليه الباحث الاقتصادي أحمد عزوز، أحد أبرز العوامل المعيقة لأي محاولة للنهوض بالإنتاج المحلي، فالمصانع لا تعمل ضمن بيئة إنتاجية مستقرة، بل ضمن منظومة تعاني من اختلالات عميقة في النقل والاتصالات والخدمات الأساسية، ما يرفع من كلفة الإنتاج ويطيل زمن وصول السلع إلى الأسواق، وفي المقابل، تستفيد الصناعات في الدول المنافسة من شبكات نقل حديثة، وموانئ فعالة، وأنظمة لوجستية متكاملة، تتيح لها إنتاج وتوزيع السلع بكفاءة أعلى وكلفة أقل، وهو ما يضع المنتج السوري في موقع غير متكافئ منذ البداية.
وتظهر هذه الفجوة بشكل واضح في تكاليف الشحن الداخلي والخارجي، حيث يواجه الصناعيون صعوبات في نقل المواد الأولية إلى المصانع، أو إيصال المنتجات النهائية إلى الأسواق المحلية والخارجية، نتيجة تردي الطرق وارتفاع تكاليف النقل وتعقيد الإجراءات، كما أن ضعف خدمات الاتصالات يحد من قدرة الشركات على إدارة عملياتها بكفاءة أو الانخراط في الأسواق الرقمية، التي أصبحت جزءاً أساسياً من المنافسة الحديثة.
وينتقد عزوز غياب أي إصلاحات حقيقية في القطاع اللوجستي، معتبراً أن الاكتفاء بتخفيض الرسوم الجمركية لا يمكن أن يحقق نتائج ملموسة دون تطوير بيئة النقل والشحن، فالقطاع لا يزال، بحسب توصيفه، يعاني من بيروقراطية معقدة تعيق حركة البضائع، إضافة إلى مظاهر احتكار تحد من المنافسة وترفع التكاليف على المنتجين، وهذا الواقع ينعكس سلباً على كفاءة سلاسل التوريد، ويُفقد الصناعة المحلية قدرتها على الاستجابة السريعة لمتطلبات السوق.
ويحذر عزوز من أن استمرار هذه الاختلالات، بالتوازي مع سياسات فتح الاستيراد، قد يقود إلى نتائج عكسية، أبرزها تعميق الاعتماد على المنتجات المستوردة، وتراجع الإنتاج المحلي تدريجياً، ما يفاقم من الأزمات الاقتصادية القائمة. كما أن هذا المسار قد ينعكس بشكل مباشر على سوق العمل، عبر فقدان المزيد من الوظائف المرتبطة بالقطاع الصناعي، وتآكل القاعدة الإنتاجية التي تُعدّ أحد أعمدة أي اقتصاد مستقر.
اقرأ أيضاً
تراجع الليرة السورية يفرض تقليص فاتورة الاستيراد الباهظة وإحياء القطاع الزراعي
بين الانفتاح والحماية
يرى الباحث الاقتصادي يحيى السيد عمر أن الجدل حول فتح الاستيراد يعكس انقساماً بين من يعتبره ضرورة لتوفير السلع وتنشيط السوق، ومن يخشى تأثيره على الصناعة المحلية، ويوضح أن الاستيراد قد يخفف الضغط عن المستهلك عبر توفير السلع بأسعار أقل، لكنه في الوقت نفسه يشكل تحدياً للمصانع التي تعاني من ارتفاع التكاليف وضعف الإنتاج.
ويوضح عمر خلال حديثه لموقع تلفزيون سوريا، أن الاعتماد المفرط على الاستيراد قد يحول السوق إلى منفذ لتصريف منتجات خارجية، ما يهدد بإغلاق المصانع المحلية وفقدان فرص العمل، وفي المقابل، يؤكد أن إغلاق باب الاستيراد ليس حلاً عملياً، داعياً إلى إدارة متوازنة لهذه السياسة، تقوم على تنظيم الاستيراد ودعم الإنتاج المحلي في آن واحد.
ويقترح عمر إعطاء الأولوية لاستيراد المواد الأولية ومستلزمات الإنتاج، مع فرض قيود مدروسة على السلع التي لها بديل محلي، إلى جانب تحسين البنية التحتية وتوفير التمويل والطاقة بأسعار مناسبة.
يكشف الجدل الدائر حول فتح الاستيراد في سوريا عن معضلة اقتصادية معقدة تتطلب مقاربة متوازنة، لا تقوم على الانفتاح المطلق ولا على الانغلاق التام، فبين الحاجة إلى تنشيط السوق وتوفير السلع، وضرورة حماية الإنتاج المحلي، تبرز أهمية تبني سياسات شاملة تدعم الصناعة الوطنية وتزيل العقبات أمامها، ودون ذلك، يبقى خطر تحول الاقتصاد إلى نموذج يعتمد على الاستيراد قائماً، بما يحمله من تداعيات على الإنتاج وفرص العمل والاستقرار الاقتصادي على المدى الطويل.
اقرأ أيضاً
المصدر