
تلفزيون سوريا: الاثنين, 13 نيسان 2026 الساعة 6 صباحاً
"خلف الأبواب الموصدة في أحياء اللاذقية وطرطوس، لم تعد رائحة القهوة الصباحية تعلن عن يومٍ من الاستقرار كما كانت قبل سنوات. هناك، حيث كانت تجتمع عائلات الطبقة المتوسطة حول موائد بسيطة لكنها عامرة بالرضا والضحك، بات الصمت اليوم سيد الموقف، تقطعه فقط حسابات الجيوب الفارغة ومرارة المفاضلة بين أساسيات البقاء. لقد انفرط عقد تلك الطبقة التي كانت يوماً صمام أمان المجتمع السوري وحاملة إرثه الثقافي والتعليمي؛ فالموظف الذي كان يطمح للرفاهية صار يطمح لربطة خبز، والمعلمة التي كانت تدخر لغد أبنائها باتت تبيع ما تملك لتسد رمق يومها. إنها قصة انزلاق مؤلم من ضفاف الاستقرار إلى قاع الهشاشة، حيث يختفي 'الوسط' ليترك المجتمع منقسماً بين فقرٍ مدقع وثراءٍ فاحش، في تحول بنيوي يهدد بهدم ما تبقى من أعمدة النسيج الاجتماعي."
دور محوري للطبقة المتوسطة
تعتبر الطبقة المتوسطة الركيزة الأساسية التي يستند عليها استقرار أي مجتمع، كما تمثل خط التوازن والتماس بين الأغنياء والفقراء، واللاعب الأساسي في تخفيف الفجوة الاقتصادية في المجتمع.
وتعد تنمية هذه الطبقة أساسا في معالجة الفقر وتخفيف عدد الفقراء تمهيدا لرفع مستوى المعيشة في أي مجتمع، علاوة على دورها الكبير في تحريك عجلة الاقتصاد باعتبارها طبقة منتجة ومستهلكة في آن واحد.
كما أن دور الطبقة المتوسطة لا يقتصر على الجانب المادي فقط، بل تلعب دورا محوريا في دعم الثقافة والتعليم، وترسيخ القيم المدنية، حيث كانت هذه الطبقة عبر التاريخ، الأقدر على التأثير باعتبارها تشكل الغالبية العظمى من المعلمين والموظفين وأصحاب الأعمال الصغيرة والمتوسطة.
وتخشى الكثير من الدول من تآكل وتقلص حجم الطبقة المتوسطة ، خوفا من اتساع الفجوة بين الطبقات، وانعدام الانسجام الاجتماعي، بما ينعكس على طبيعة العلاقات الاجتماعية بين أفراد المجتمع المنقسمين بين فقراء حاقدين على أغنياء، وأثرياء يعيشون في طبقة مخملية.
ويشير تقرير للأمم المتحدة صدر في 20 شباط 2025، بعنوان "أثر الصراع في سوريا: اقتصاد مدمر وفقر واسع وطريق صعب نحو التعافي الاجتماعي والاقتصادي"، إلى أن تسعة من كل عشرة سوريين يعيشون اليوم في الفقر.
كما تراجع الناتج المحلي الإجمالي إلى أقل من نصف قيمته منذ عام 2011، في حين تضاعف معدل البطالة ثلاث مرات، وأصبح واحد من كل أربعة سوريين عاطلا عن العمل، مع تدهور كبير في البنية التحتية العامة.
وارتفعت نسبة الفقر من 33 بالمئة قبل الحرب إلى 90 بالمئة حاليا، بينما قفز الفقر المدقع من 11 بالمئة إلى 66 بالمئة، في حين يتراوح عدد الأطفال غير الملتحقين بالمدارس بين 40 و50 بالمئة من الفئة العمرية بين 6 و15 عاما.
في الساحل.. مزيد من الأسر تنزلق نحو قاع الفقر
لا يخلو حديث في الساحل السوري عن تآكل الطبقة المتوسطة، أو عن انزلاق المزيد من الأسر نحو قاع الفقر، الذي فرضته الكثير من العوامل خلال الأعوام الماضية.
يرى "ياسر"، وهو موظف حكومي في اللاذقية، أن الطبقة المتوسطة بدأت بالاندثار في العام 2011، خاصة مع التراجع المستمر في سعر صرف الليرة السورية أمام الدولار، وما رافقه من انحسار في قيمة الليرة وفق قوله.
ويقول: "مع انطلاق الثورة السورية، لجأت السلطات إلى أساليب قذرة بغية إطالة عمر النظام، خاصة وأن الفساد كان منتشرا إلى حد كبير في جميع مفاصل الدولة، فعمدت الحكومة حينها إلى تحديد الرواتب بالليرة، وربط الأسعار بالدولار، فكان انهيار الليرة ينعكس فقط على الطبقة المتوسطة ".
ويوضح: "الطبقة المتوسطة هي الموظف الحكومي والعامل في القطاع الخاص، وكان متوسط دخلها آنذاك بين 400 إلى 800 دولار، وبدأت الرواتب بالتراجع إلى أن بلغت 20 إلى 40 دولارا قبل سقوط النظام، ما يعني أن الطبقة المتوسطة انعدمت حرفيا في السنوات الماضية".
اقرأ أيضاً
تنتشر البسطات في مدينة اللاقية مع تدهور الوضع المعيشي في البلاد، 12آذار 2025 ـ غيتيأما "أم لؤي"، وهي معلمة من طرطوس، فتوضح أن السنوات الأخيرة شهدت انخفاضا مستمرا في قدرة عائلتها الشرائية، مؤكدة أنها كانت تشتري كل ما يلزم البيت براتبها، بينما تضطر حاليا للاستدانة في منتصف الشهر.
وتضيف: "المشكلة أننا اضطررنا في السنوات الماضية لبيع سيارتنا، ثم قطعة أرض بسبب طارئ صحي أصابنا، واليوم أعتقد أننا من الطبقة الفقيرة جدا".
من جهتهم، لم يسلم أصحاب المهن الحرة من الواقع الاقتصادي الهش، فورشات الحرف والمحال التجارية والمطاعم الصغيرة، باتت تعاني من تراجع كبير في القدرة الشرائية.
يقول "طارق"، صاحب محل ألبسة في اللاذقية: "كان الزبائن في السابق يدخلون ويشترون، بينما الآن يسألون عن الأسعار ويغادرون.. نحن عالقون حاليا بين مشكلتي ارتفاع الكلفة وضعف الطلب والقدرة الشرائية".
ويتابع: "للأسف، وصلنا إلى مرحلة بتنا فيها لا نربح كلفة عملنا، وأنا أفكر بالإغلاق والسفر إن تمكنت من إيجاد عمل في الخارج".
زيادة رواتب من دون تأثير!
رغم أن السبب الرئيسي في اختفاء الطبقة المتوسطة أو تراجع حجمها بمعنى أدق، هو انخفاض الأجور، فإن زيادة الرواتب لم تقدم علاجا للمشكلة، ولم تحرك ساكنا، خاصة في الساحل.
"عبدالله"، مدرس في جبلة، يوضح أن زيادة الرواتب شملت الموظفين الذين استمروا على رأس عملهم، بينما تم فصل عدد كبير من الموظفين، إضافة إلى جلوس أفراد الجيش السابق في منازلهم من دون مدخول وفق تعبيره.
ويقول: "إذا كانت الزيادة حسنت مستوى معيشة ألف عائلة مثلا، فإن الفصل من الوظائف دهور وضع ألف عائلة مقابلها، لذلك نحن نراوح في المكان".
ويوافقه "أحمد"، وهو موظف مفصول من عمله، قائلا: "تم فصلي من عملي أنا وزوجتي، والآن نحن بدون مدخول، وحتى الموظفين برأيي لم يتحسن وضعهم إطلاقا، فارتفاع سعر الكهرباء والخبز والمواصلات، جعلت من الزيادة وهمية".
في الختام، لا يشكل اختفاء الطبقة المتوسطة تدهورا اقتصاديا وحسب، بل يحمل في طياته أزمات اجتماعية وثقافية عميقة وخطيرة، خاصة وأن الطبقة المتوسطة تعد الطبقة الأهم في أي مجتمع مهما بلغ مستواه الحضاري والاقتصادي.
ومع استمرار غياب السياسات الاقتصادية الفعالة، بات اختفاء الطبقة المتوسطة في الساحل ينذر بتحول بنيوي قد يستمر لسنوات، تختفي خلاله شريحة لطالما كانت رمزا للاستقرار، في مشهد يعكس عمق الأزمة التي تعيشها البلاد.
المصدر