
تلفزيون سوريا: الاثنين, 13 نيسان 2026 الساعة 6 صباحاً
لا تكمن العقدة في المفاوضات الأميركية الإيرانية في باكستان بشكل الطاولة، ولا في الوسطاء، ولا في الخرائط التي تُبسط أمام الدبلوماسيين. المسألة أعمق من ذلك بكثير؛ إنها راسخة في طبيعة الصراع ذاته، في تلك البنية الخفية التي لم تبلغ بعد لحظة النضج، أو ما يُعرف باللحظة المواتية، حين تبلغ الأطراف حدّاً من الإرهاق المتبادل يدفعها إلى البحث عن مخرج.
التاريخ يُظهر أن التسويات الحقيقية تُولد أولاً في وعي الأطراف، حين يدرك كل منها أن كلفة الاستمرار في الصراع- سياسياً وعسكرياً واقتصادياً واجتماعياً - باتت أثقل من كلفة التنازل. غير أن المشهد الراهن يكشف غياب هذا الإدراك في أميركا وإيران. فالولايات المتحدة لا تزال ترى في أدوات الضغط إمكاناً لم يُستنفد، في حين تراهن الجمهورية الإسلامية على قدرتها على الصمود والتكيّف بوصفها رصيداً قابلاً للتوظيف. وفي ظل هذا التباين، لا يصبح التفاوض ضرورة، بل خياراً تكتيكياً، أو مساحة للمناورة، لا مساراً للحسم. هكذا يدخل كل طرف المفاوضات وهو يعتقد أن لديه ورقة لم تُلعب بعد، وأن الزمن يعمل لصالحه، لا ضده. يدخل الأميركي تحت سقف تصريحات ترمب النارية، ويدخل الإيراني واضعاً أمامه صور الأطفال الذين قُتِلوا بالغارات الأميركية والإسرائيلية.
وفي سياق التفاوض الحالي تبدو "الصفقة الشاملة" فكرة آسرة أو مغرية، لكنها في الواقع تمر عبر مراحل معقدة، جرى تجاوز بعضها أو إضعافها إلى حدّ الاختلال. فمرحلة ما قبل التفاوض، حيث تتشكل المواقف وتُختبر النوايا وتُرسل الإشارات غير المباشرة، تحوّلت في الحالة الأميركية الإيرانية إلى ساحة صراع بحد ذاتها، امتدت أكثر مما ينبغي، وتجلّت في رسائل عبر الوسطاء، وتصعيد محدود، ثم تهدئة، يعقبها إعادة تموضع. أما مرحلة التفاوض، حيث تُطرح القضايا وتُحدّد الأجندات وتبدأ المقايضات، فهي مثقلة بقدر عميق من انعدام الثقة، زادته تعقيداً تجربة اندلاع الحرب خلال مفاوضات سابقة، ما يجعل الشك حاضراً في أصل العملية، لا في تفاصيلها. وفي ظل تمسك الأطراف بسقوفها العليا بوصفها حدوداً نهائية، يغدو التفاوض عرضاً للمواقف أكثر منه سعياً لتعديلها. أما مرحلة الحسم، التي يُفترض أن تُترجم فيها التفاهمات إلى اتفاق، فهي لا تتطلب تقارباً في الطروحات فحسب، وإنما تحولاً في إدراك طبيعة الصراع ذاته. وهذا التحول لم يحدث بعد. فما تزال واشنطن وطهران تنظران إلى الصراع من زاوية القدرة على إدارته من موقع قوة، لا بوصفه مأزقاً مشتركاً يستدعي الخروج منه.
التوازن غير المكتمل يفسر غياب لحظة الحسم. فالأطراف لا تزال تسعى إلى تحسين شروطها، لا إلى إنهاء الصراع. وحتى ضغط الوقت لا يتحول إلى عامل حاسم، لأن الشعور بالعجز المتبادل لم يكتمل بعد. وما لم يصل الطرفان إلى تلك النقطة التي يتعذر فيها الاستمرار أو الانسحاب باعتباره خياراً مكلفاً، فإن التفاوض سيظل يدور في دائرة المراوحة.
هذا التعقيد يتعمق مع تباين البنية الداخلية للموقفين. فالولايات المتحدة تتأرجح بين أهداف يعاد تعريفها وفق إيقاع اللحظة وضغط الداخل، بينما تبدو إيران أكثر ثباتاً في صياغة مطالبها وبناء خطاب تفاوضي متماسك حولها. وهذا التباين لا يعكس اختلافاً في المواقف فحسب، ولكن يكشف خللاً في نقطة الانطلاق نفسها. ووفقاً لنظريات فض النزاعات فإنه حين لا يتفق الطرفان على تعريف المشكلة، يصبح الاتفاق على حلّها مسألة بالغة التعقيد، ويغدو الحديث عن صفقة شاملة أقرب إلى وهم سياسي؛ لأن ما تراه واشنطن تهديداً ينبغي احتواؤه، تراه طهران حقاً سيادياً وموقعاً إقليمياً يجب تثبيته.
غياب لحظة الحسم
التوازن غير المكتمل يفسر غياب لحظة الحسم. فالأطراف لا تزال تسعى إلى تحسين شروطها، لا إلى إنهاء الصراع. وحتى ضغط الوقت لا يتحول إلى عامل حاسم، لأن الشعور بالعجز المتبادل لم يكتمل بعد. وما لم يصل الطرفان إلى تلك النقطة التي يتعذر فيها الاستمرار أو الانسحاب باعتباره خياراً مكلفاً، فإن التفاوض سيظل يدور في دائرة المراوحة. فإلى جانب الشروط المعلنة، تلعب الافتراضات غير المعلنة دوراً حاسماً؛ إذ يقرأ كل طرف إشارات الآخر عبر عدسة الشك، لا عبر مضمونها الظاهر، فتُفسَّر مبادرات بناء الثقة أحياناً كعلامات ضعف، ما يعمّق انعدام اليقين بدلاً من تقليصه. ويزداد المشهد تعقيداً مع دخول أطراف أخرى تؤثر في مسار التفاوض من خارج طاولته. فإسرائيل، على سبيل المثال، تتعامل مع المفاوضات بوصفها امتداداً للضغط العسكري، لا مساراً مستقلاً، وتسعى إلى دفع واشنطن نحو اتفاق أكثر صرامة دون تقديم تنازلات مقابلة. وهذا التداخل بين المسارين العسكري والتفاوضي يجعل الفصل بينهما شبه مستحيل، ويضفي هشاشة إضافية على أي تفاهم يُبنى في ظل استمرار العمليات. كما أن توسيع نطاق القضايا -بإدخال ملفات كلبنان أو اليمن- يحوّل التفاوض إلى بنية معقدة من الصراعات المتشابكة، حيث يرتبط كل تقدم في ملف بتعقيدات ملفات أخرى، فيغدو التفاوض محاولة للإمساك بخيوط متعددة دون القدرة على ضبط إيقاعها.
الموقف الإسرائيلي
بالحديث عن الموقف الإسرائيلي فإننا أمام تصريحين، الأول لرئيس الوزراء بنيامين نتنياهو الذي يؤكد أنَّ تل أبيب تحت قيادته ستستمر في محاربة نظام إيران الإرهابي، في حين تقول القناة الثالثة عشر العبرية نقلاً عن مصدر إسرائيلي إنّ الأميركيين يتوافقون تماما مع المطالب الإسرائيلية مع الإشارة لعدم الثقة الراسخ في تقديم الإيرانيين لأي تنازلات. قراءة هذه التصريحات لا تكتمل إذا أُخذت بوصفها مواقف إعلامية منفصلة، وإنما يجب إدراجها ضمن منطق أعمق يحكم السلوك الاستراتيجي الإسرائيلي، وهو منطق يقوم على إدارة التهديد لا إنهائه، وعلى التأثير في مسارات التفاوض حتى من خارج الطاولة. حين يقول بنيامين نتنياهو إن إسرائيل ستستمر في محاربة نظام إيران، فهو لا يعلن فقط موقفاً سياسياً، إنه يعيد تثبيت معادلة مركزية في التفكير الإسرائيلي: أن الصراع مع طهران ليس ملفاً تفاوضياً قابلاً للإغلاق، يرقى ليكون تهديداً وجودياً طويل الأمد يجب احتواؤه عبر مزيج من القوة والضغط المستمر. وهذه بطبيعة الحال ليست لغة لحظية، إنها لغة استراتيجية تسعى إلى منع أي تحول في الوعي الدولي قد يُفضي إلى تطبيع فكرة التعايش مع إيران بصورتها الحالية كقوة إقليمية.
أما التسريب الذي تتبناه القناة الثالثة عشر فيحمل دلالتين متوازيتين. الأولى تتعلق بمحاولة تل أبيب تثبيت نفسها كطرف مرجعي في تعريف سقف التفاوض الأميركي، أي نقل موقعها من لاعب إقليمي متأثر إلى شريك ضمني في صياغة الشروط. والثانية تتعلق بإرسال رسالة مزدوجة: إلى إيران بأن هامش المناورة ضيق، وإلى الداخل الإسرائيلي بأن الحكومة تمسك بخيوط التأثير في القرار الأميركي. وفي بنية العقل الاستراتيجي الإسرائيلي، يُنظَر إلى المفاوضات باعتبارها امتداداً لمفهوم القوة وإحدى ممارساتها. أي أن التفاوض يجب أن يجري دائماً تحت سقف ضغط عسكري قائم أو محتمل. ومن هنا، فإن التشديد على عدم الثقة في طهران ليس توصيفاً بقدر ما هو أداة؛ هدفها تقويض أي زخم تفاوضي قد يؤدي إلى اتفاق لا يحقق الشروط القصوى، أو يمنح إيران شرعية سياسية دون تفكيك عناصر قوتها.
هذه الرؤية تتقاطع مباشرة مع ما يجري في باكستان. فإسرائيل تدرك أن المفاوضات لم تبلغ بعد لحظة النضج، وبالتالي فإن أفضل ما يمكن فعله هو منعها من التحول إلى تسوية مستقرة. يعني إبقاءها في حالة سيولة، حيث تستمر الضغوط، وتبقى احتمالات التصعيد قائمة، بما يضمن عدم خروج الاتفاق المرتقب عن الإطار الذي تراه إسرائيل مقبولاً، وهذا ما أكّده مراراً المبعوث الخاص للرئيس الأميركي ستيف ويتكوف في تصريحاته بأنَّ إدارة البيت الأبيض تعرف تماماً المصالح الإسرائيلية وبأنها تعمل على تحقيقها.
التعليقات الإسرائيلية حول المفاوضات تكشف عن قلق ضمني من تل أبيب: ليس من فشل المفاوضات، ولكن من نجاحها الجزئي. فالاتفاقات غير الكاملة، من وجهة النظر الإسرائيلية، أخطر من غياب الاتفاق، لأنها قد ترسخ وضعاً يسمح لإيران بالاحتفاظ بجزء من قدراتها، مع اكتساب شرعية سياسية تخفف عنها الضغوط. لذلك، فإن رفع سقف الخطاب والتشكيك المسبق في أي تنازلات إيرانية، يهدف إلى تضييق مساحة الحلول الوسط، ودفع العملية التفاوضية نحو خيارين حادين: إما اتفاق صارم جداً، أو استمرار الصراع. وهذا يعيدني إلى القاعدة الأعمق التي تعمل بها إسرائيل التي لا تسعى إلى إنهاء الصراع مع إيران عبر التفاوض، وإنما إلى إعادة تشكيل شروطه باستمرار، بحيث يبقى تحت السيطرة، دون أن يتحول إلى واقع مستقر يُقيد حريتها في الحركة. ومن هنا، فإن حضورها في مفاوضات باكستان، وإن كان غير مباشر، يظل حاضراً بقوة في تحديد حدود الممكن، ومنع الوصول إلى ما يتجاوزها.
كل هذه المواقف لا يمكن فصلها عن مسار أكثر تعقيداً يتعلق بالضغوط الداخلية التي يعيشها طرفا المفاوضات. ففي واشنطن، تتداخل الحسابات السياسية مع مسار التفاوض، ما يجعل المواقف عرضة للتبدل، بينما في طهران يتحول الصمود إلى عنصر من عناصر الشرعية، ما يقيّد هامش التنازل. وهكذا، لا يتفاوض الطرفان مع بعضهما فحسب، بل مع جماهيرهما أيضاً.
غياب النتائج الحاسمة
في ضوء هذه المعطيات، لا تبدو نتائج المفاوضات في إسلام آباد حاسمة. أقصى ما يمكن أن تفضي إليه هو تهدئة مؤقتة، ربما في صورة وقف إطلاق نار هش، يقوم على توازن عابر في المصالح، لا على اتفاق صلب. هدنة تُفرض بحكم الضرورة، ولا تُبنى على تسوية حقيقية. وهذا النوع من النتائج يحمل في داخله بذور عدم الاستقرار، لأنه لا يعالج الجذور وإنما يؤجل انفجارها فحسب.
لذلك تكشف لحظة إسلام آباد التفاوضية عن حقيقة أساسية: الصراع لم يبلغ بعد درجة النضج التي تسمح بحله. وما يحدث هو تعبير عن صراع ما يزال في طور التشكل، يعيد إنتاج نفسه بأشكال مختلفة، دون أن يصل إلى النقطة التي يصبح فيها الحل ضرورة لا مفر منها. وفي هذا المقام قد يبدو أن الوقت يضغط، وأن اللحظة حاسمة، غير أن الزمن في الصراعات لا يُقاس بالساعات، ولكن بدرجة الاستنزاف. لأن اللحظة الحاسمة لا تولد من ضيق الوقت، إنما من توازن العجز: حين يعجز كل طرف عن الحسم، ويعجز في الوقت ذاته عن الاستمرار. وهذه اللحظة لم تأتِ بعد في تقديري؛ لم تُكسر إيران بما يكفي لتقبل بشروط خصمها، ولم تُستنزف الولايات المتحدة إلى الحد الذي يدفعها إلى تغيير قواعد اللعبة.
وعليه، يبدو أن الفشل هو المآل الأرجح لهذه الجولة، غير أن البديل لن يكون بالضرورة انفجاراً شاملاً، فهذا مؤجل في المدى المنظور لأن كلفته عالية، قد نشهد عودة إلى حالة أكثر برودة: تصعيد محسوب، يعقبه تراجع محسوب، ثم استقرار هشّ فوق طبقات من التوتر. وهكذا يُدار الصراع دون أن يُحلّ، وتبقى جذوره حيّة، كامنة تحت السطح، تنتظر لحظة أخرى، قد تكون أكثر قسوة أو أكثر نضجاً. ليبقى السؤال أمامنا، يتعلق بمنطقتنا قبل أي شيء آخر: ماهي الفاتورة التي ستدفعها الجغرافيا العربية إن حصَل الاتفاق؟ وما هي الفاتورة التي ستدفعها إن لم يحصل الاتفاق بين واشنطن وطهران؟
المصدر