
تلفزيون سوريا: الاثنين, 13 نيسان 2026 الساعة 6 صباحاً
رغم الأهمية الرمزية الكبيرة التي يحظى بها علم الثورة السورية، الذي أصبح لاحقًا "علم الدولة السورية" عقب سقوط نظام الأسد المستبد. إلا أن تصور هذا العلم في سوريا بقي ضمن حدود أمر الواقع وليس القبول والقناعة والاحترام. وهذا ينعكس بشكل واضح على كيفية التعامل معه. حيث تنتشر في سوريا ظاهرة "الأعلام المتسخة أو الممزقة"، ولا يقتصر ذلك على الأماكن الفرعية أو الأماكن غير السيادية، بل هذه الظاهرة تشمل الأماكن والساحات المركزية والسيادية، مما يثير تساؤلات عن السبب الذي يؤدي لقلة الاهتمام بالراية الوطنية في سوريا.
قد يتخيل أن الأسباب وراء ذلك، هي تهالك مؤسسات الدولة، وضعف الميزانية العامة، لكن الأعمق هو وجود إرث ثقافي سابق بكيفية التعامل مع الراية الوطنية، بوصفه ملفًا لا يحظى باهتمام كافي ضمن سلم الأولويات، ولا سيما أن ذلك الإرث يشير إلى أن الراية في تاريخ سوريا السياسي خلال حكم البعث قد تعرضت للعبث السياسي، مما جعلها إشكالية وأفقدها احترامها لدى الناس، ولا سيما في وعي الفرد السوري. فالصورة المتخيلة عن الرموز الوطنية سيئة للغاية وينتابها الشك وعدم اليقين. فلم يرث السوريون رموزًا وطنية، بل ورثوا رموزًا محملة بالاستبداد كما في حالة علم الأسد والبعث. بينما الرموز الوطنية الحقيقية حيدها النظام وعمل بشكل ممنهج على شيطنتها وتشويهها.
فقد غابت عن السوريين الهوية الوطنية لعقود طويلة حيث تآكلت الوطنية السورية حينما ترسّخ الاستبداد لصالح السلطوية بدلًا من الحرية، ورايات العنف بدلًا من علم الوطن والسلم، ورموز قتلت السوريين بدلًا من أن تحميهم، وعقد اجتماعي فرض بالقسر وليس بالتوافق، ودستور فرض بالدبابة لا بالاستفتاء. بالتالي، لم تشكل الرموز الوطنية حالة خاصة لدى الفرد السوري تجعله يشعر بالانتماء إليها أو حتى القبول طالما أن العلم الوطني ليس مصدرًا للفخر وإنما مصدرًا للعنف أو للسلطة، وذلك لحد اندلاع الثورة السورية.
السياق التالي، جعل فئات من الشعب السوري التي اضطرت للبقاء تحت سلطة الأسد، ترى ذاك العلم "علم المنتصر" باختزال كبير، وليس "علم الثورة" بما يحمله من عمق وتضحيات وتعبير وطني وتصور للغد.
مثّلت هذه الثورة قطيعة تامة مع الاستبداد، بما في ذلك استعادة الرموز والأحقية في امتلاكها وتصورها وتخيلها والإيمان بها كعلم لوطن اسمه سوريا. مع ذلك هذا الاستحضار للماضي الوطني ورموزه التي تعود لما قبل البعث، قد تجسد في فئة صغيرة من السوريين دون غيرهم هؤلاء الذي خرجوا وحملوا أعلام الثورة السورية، كأعلام تشير للحرية والكرامة والعدالة والأهم التغيير الديمقراطي وصون الحياة السياسية. لكن السياق التالي، جعل فئات من الشعب السوري التي اضطرت للبقاء تحت سلطة الأسد، ترى ذاك العلم "علم المنتصر" باختزال كبير، وليس "علم الثورة" بما يحمله من عمق وتضحيات وتعبير وطني وتصور للغد.
في ظل ذلك، يستوجب فهم أسباب إهمال التعامل مع العلم الوطني، من خلال من إدراك عاملين: أن علم الثورة السورية، كان دائمًا محل صراع بين النظام وقوى الثورة. بكون النظام عمل على تشويهها بشكل مستمر كعلم يمثل "الانتداب الفرنسي" بينما صدرتها قوى الثورة كعلم يمثّل استعادة "الوطنية السورية" وهما محددان يجعلان الانتماء إلى هذ العلم محل تساؤلات جوهرية، فجزء أساسي من الحرص على العلم هو الشعور الفردي والجماعي بالانتماء إليه. وفي ذات الوقت، ذلك يشير لانقسام متراكم حول "المعنى".
ويأتي البعد التنظيمي كحل عامودي مطلوب خلال الفترة الأولى، كون هذا العلم قد يكون الحل الأفضل لكل القوى التي رفضت العلم سابقًا، وذلك بكونه يمثل صوت تاريخ الاستقلال من جهة، وصوت التحول نحو الوطنية السوري من جهة أخرى. والأهم صوت القطيعة مع الاستبداد بشكل كامل. ولعل وجود أعلام وطنية ممزقة أو متسخة يعني إهانة غير مباشرة أو مباشرة لسورية كوطن، فالعلم هو تعبير مكثف عن ثلاثية أصيلة "السلطة، الشعب، الأرض" وهو يعكس شكل هذه الثلاثية، وأي إهانة أو تقليل اهتمام بذاك العلم قد يؤدي لإشكاليات جوهرية قد تصل لحالة إعلان الحرب.
يدفع ذلك، للتفكير الجدي في إيجاد حلول تحفظ العلم السوري، من انتشار وتوسع ظاهرة الإهمال وعدم الاهتمام والاتساخ والتمزق، كما تظهر الصور العديدة المنتشرة في سوريا بما في ذلك في الساحات الوطنية والسيادية. وتنطلق الحلول من محددين. المحدد الأول "الحل التنظيمي" والذي يتطلب تحديد الجهات المسؤولة عن الأعلام الوطنية على مستوى المركز وعلى مستوى المحافظات، المدن والبلدات والقرى. وذلك عبر وضع سياسات تحدد: طبيعة وجودة الأعلام المرفوعة، مدة استبدالها الدورية، شروط استبدالها الطارئة، تخصيص ميزانية خاصة مقبولة وفق الواقع السوري، توسيع المراقبة الاجتماعية، وتفعيل المحاسبة كعامل ضابط لذلك. ومن ثم لدى انعقاد مجلس الشعب من الضروري تنظيم ذلك في "قانون العلم" الذي يضع محددات المراقبة والمحاسبة وصون على الرمزية.
مع تلك الإجراءات التنظيمية يأتي دور، تفكيك المعنى، من خلال إعادة تعريف الراية ضمن الإطار الوطني السوري الجامع، والتنبيه لخطورة تحول الرايات الفرعية لعلم مركزي على حساب العلم الوطني، مما يجعله راية هامشية معدومة القيمة. وذلك عبر التوجيه السياسي والتعليمي ضمن مسارات متوازية جزء منها في التعليم وجزء آخر ضمن القرارات السياسية في الدولة من قبل السلطة السياسية نفسها. وهذا يساعد على بناء العلاقة بين المواطن والراية أو الرمز من جديد.
إن القيام بإجراءات محاسبة صارمة قد يساعد في البداية على صون هذه الراية، فإن معالجة هذه الظاهرة في سورية ليس رفاهية اقتصادية وليس ترفًا سياسي، ولا دخل له بالتعقيد الفكري، ولا يجب أن يدخل ضمن حسابات الماضي، بل راية يمكن أن تكون مصدر قبول التنوع والتعاقد الاجتماعي واستعادة السلم الأهلي وبناء المستقبل المنشود، والتخفيف من أعباء التفكك الاجتماعي. ولا يجب أن يتحول العلم إلى "راية ديكور" تحمل هدفًا سياسيًا وليس وطنيًا، في التغطية على أجندة غير وطنية سواء في معارضة السلطة السياسية أو تأييدها، بل يجب أن يعبر عن سورية الجديدة وعمقها الحضاري، فصورة سورية هي في شكل العلم الذي يرفرف في ساحاتها، هي صورة المواطنين جميعهم، فمن ينزعج من اتساخ منزله ولا ينزعج من اتساخ علمه الوطني من المفترض أن يدرك أن منزله زائل لأنه لا يملك وطنًا يدافع من أجله.
المصدر