هل تُبنى «الدولة» في سوريا أم تتفكك؟



تلفزيون سوريا: الاثنين, 13 نيسان 2026 الساعة 6 صباحاً

ورث حافظ الأسد مؤسسات رسمية تمتد جذورها إلى حقبة ما قبل الاستقلال، عمل على إنشائها وتمكينها أكثر من جيل من السوريين المتفائلين، بدءاً من الرواد ثم من تلاهم من مشتغلين عامين كانوا يؤمنون بنهضة البلاد. ولم تؤثر الانقلابات المتتالية، التي اشتهرت بها سوريا وقتئذ، على مسيرة بناء «الدولة» التي ظل جهازها المدني بعيداً نسبياً عن خلافات العسكر وموجات التسريح من الجيش واجتذاب المتطوعين الموالين الجدد إليه. وكانت التغييرات التي أجراها الأسد الأب في بنية الوزارات والهيئات بطيئة، كما هي سمة عهده كله، مما أدى إلى وراثة خبرة الموظفين العتاق من قبل شبان بعثيين أقل كفاءة لكن الفرصة سمحت لهم باكتساب ما يكفي لتسيير الإدارات بشكل يحافظ على صورة الدولة، التي كان قطاعها العام يتضخم وينتشر فيه الفساد من دون أن يشكّل ذلك خطراً حقيقياً على مجمل البنية. استفاد ابنه بشار من وراثة هذه الماكينة البيروقراطية الهائلة التي كانت «تشتغل» على الرغم مما فيها من عيوب. ولم تفلح محاولاته في «تطوير وتحديث» الأجهزة الحكومية بسبب توجهاته المتناقضة والمتغيرة وعدم قدرته على استيعاب كل خارطة التفاصيل اللازمة بحدس رجل الدولة. وحين انهار حكمه كانت المؤسسات ما تزال تعمل لكن باستطاعتها الدنيا المتعثرة بعدما أنهكها التردي الاقتصادي والعقوبات الدولية والدمار في البنية التحتية وفك أجزاء أساسية للارتباط بالإدارات في مناطق خرجت عن سيطرة النظام في سنوات سابقة، وربما حتى ليلة سقوطه. ومنذ ذلك التاريخ دخلت الدولة في مسار جديد تتنازعه مجموعة من العوامل. فمن جهة أولى كان الوعد باستمرار عمل المؤسسات أحد أوراق الاعتماد التي قدّمها الحكم الجديد ليحصل على دعم المجتمع الدولي. ومن جهة ثانية كان التغيير الذي حدث هو أول زلزال ثوري في بنية البلاد التي لم تعرف قبلاً سوى الانقلابات العسكرية فوق. ومن جهة ثالثة لم تمتلك السلطة الجديدة ما يكفي من كوادر تحمل رؤية منسجمة في ما بينها ومتوافقة مع طبيعة البلاد، ما كان من شأنه تسهيل عملية الاستبدال مهما كانت جذرية. اليوم تتكوّن الإدارة القائمة من مجموعة شرائح وتيارات متجاورة ومتداخلة. أبرزها أفراد «هيئة تحرير الشام» في رأس الهرم والمناصب السيادية الظاهرة أو المستترة وراء حجاب شفيف. اليوم تتكوّن الإدارة القائمة من مجموعة شرائح وتيارات متجاورة ومتداخلة. أبرزها أفراد «هيئة تحرير الشام» في رأس الهرم والمناصب السيادية الظاهرة أو المستترة وراء حجاب شفيف. وعلى الرغم من أن أعضاء هذه الجماعة هم من الأكثر انسجاماً إلا أنهم ليسوا موحدين بالشكل الذي تبدو عليه الأمور من خارجهم. فهناك التباين بين المبدئية الإسلامية المفترضة وبين «البراغماتية» التي تصدرت المشهد، مما رمى بأعضاء الجماعة على درجات سلّم ليس قصيراً بين هذين التوجهين، رأسه في دمشق وآخره لدى أفراد يعارضونها في إدلب. وبينهما مسؤولون كبار ومتوسطون وموظفون تصدر عنهم قرارات لا تتوافر فيها سمة الانسجام، يستفز بعضها الحاضنة المحافظة ويغضب من قسم منها جمهور مضاد. فيجري التعديل والتمييع والتراجع عن القرارات المثيرة للحساسية. تأتي شريحة المتبقين من عهد الأسد في الدرجة الثانية عددياً. وتضم عاملين في مفاصل إدارية ومهنية يمسكون بمفاتيحها وبعض رجال الأعمال. يُنظر إلى الكثير من هؤلاء على أنهم من «الفلول» الذين يثير الإبقاء عليهم بيئة الثورة، في حين تلمّح السلطة إلى أن وجودهم مؤقت بحكم الاضطرار إليهم لتسيير العجلة ريثما يتمكن الموثوقون، الأقل خبرة كما هو واضح، من نسخ ما لديهم من مهارة. وعندئذ يجري التخلي عنهم وربما محاسبتهم بأثر رجعي. ولا يغفل المعنيون بالحديث عما يدور حولهم، فيلجأ بعضهم إلى المبالغة في «التكويع» وإظهار الولاء بحثاً عن الأمان والاستمرار، في حين يحافظ الأكثر اعتدالاً على «سر المصلحة» بأكبر قدر ممكن، ولأطول وقت متاح، لئلا تنتفي الحاجة إليهم. الشريحة العددية الثالثة في الإدارة أتت من البيئات الثورية التي لا تحمل التوجه الإسلامي رغم أنها محافظة عموماً. لا ينتسب هؤلاء إلى ماضي «هيئة تحرير الشام»، وربما كانوا خصوماً لها في السابق، لكنهم يرون أن عليهم أن يسهموا الآن في بناء «سوريا الجديدة». وقد اختارت قيادة «الهيئة» منهم من صحّت توبته لتضعهم في مناصب مفيدة للطرفين، في حين تركت لآخرين وظائف غير ذات أهمية في الأجهزة الإعلامية المتفاقمة المرتبطة بكل المؤسسات العامة، ومنحت بعض كبار المنشقين مناصب استشارية كبيرة ظاهراً لكنها مفرغة من التأثير. الأقل عدداً، من دون أن يكونوا الأقل رتبة، هم المغتربون من شريحة «التكنوقراط» الذين التقطتهم السلطة من لقاءاتها بالجاليات، أو مبادراتهم للالتحاق بها، وإظهار إعجابهم ببطولة «المحررين»، وإبداء استعدادهم لوضع «الخبرات» التي حصّلوها في الغرب تحت تصرّف البلد. ربما يبالغ هؤلاء في تقدير إمكاناتهم وكذلك تفعل السلطة. كما أنهم قادمون من تجارب أحادية شتى قد لا يحدث بينها انسجام كاف أو لا تنجح زراعتها في الشرط السوري الحالي. تراهن السلطة على وضع كل هؤلاء في بيئة عمل واحدة، متحمسة وسريعة وضاغطة، على أمل أن تتكامل جهودهم ضمن مخططها العام. لكن واقع أكثر من سنة يدل على أن هذه الأجنحة الوظيفية، المتباينة تكويناً وتأهيلاً وهدفاً، لم تفعل سوى تشغيلٍ متجاذب الأطراف للمؤسسات، الاقتصادية والصحية والتعليمية، يقدّم خدمات الحد الأدنى الذي يتسم بالعشوائية والتضارب وضعف الكفاءة، وحتى باللامركزية التي تعدّها السلطة إحدى علامات التفكك. يخلط الحكم بين السلطة والدولة كما هو معروف. وربما تدل تصريحاته المتفائلة على أن سلطته تترسخ وفق تقديره. أما الدولة، بالمعنيين المدني والحكومي، فهي في أضعف حالاتها رغم تكرار اللقاءات المصورة بين المسؤولين، لإعطاء الانطباع بالتنسيق!

المصدر