العدالة المؤجلة.. حين تُختبر مصداقية الدولة في اختيار كوادرها



تلفزيون سوريا: الاثنين, 13 نيسان 2026 الساعة 6 مساءً

ليست كل عملية إعادة إدماج في مؤسسات الدولة مسألة إدارية، ولا كل تعيين مجرد قرار تنظيمي. ففي الدول التي خرجت من تحولات عميقة، تتحول الأسماء إلى رموز، وتصبح الذاكرة العامة جزءًا من معايير الحكم، لا عبئًا يمكن تجاوزه. اليوم، ومع تزايد الحديث عن إعادة إدماج شخصيات ارتبطت بمرحلة سابقة، لم يعد الجدل محصورًا بمنصات التواصل الاجتماعي، بل بات يعكس قلقًا عامًا يتجاوز التفاصيل إلى جوهر المسار نفسه. حين تُعاد إلى الواجهة أسماء عُرفت بأدوارها في تشكيلات محلية مسلّحة، أو ارتبطت بإدارة ملفات حساسة خلال سنوات الحرب، أو حافظت على حضورها داخل شبكات النفوذ الاقتصادي والنقابي، فإن المسألة لم تعد تتعلق بالكفاءة وحدها. لم يعد النقاش هنا نظريًا، بل يمسّ طبيعة المسار نفسه. فالفارق واضح بين الاستفادة من خبرات إدارية حقيقية، وبين إعادة تدوير نفوذ نشأ خارج معايير الدولة، ثم تقديمه اليوم على أنه جزء من الحل، لا امتدادًا للمشكلة. وبفعل التجربة القاسية خلال السنوات الماضية، لا يُنظر إلى هذه الخطوات بوصفها تفصيلًا إداريًا عابرًا، بل باعتبارها اختبارًا مباشرًا لجدية أي مسار إصلاحي يُطرح اليوم. فالأسماء في الوعي العام ليست مجرد سير ذاتية، بل سجلّات مفتوحة لم تُقرأ بعد بشكل كامل. ندرك جيدًا أن بعض هذه الأسماء—بغض النظر عن مواقعها الجديدة—لم تكن يومًا بعيدة عن مشهد معقّد ترك أثرًا عميقًا في الضمير الجمعي. أسماء عُرفت في سياق “الدفاع” و”الإدارة” و”التمثيل النقابي”، لكنها في الوقت ذاته ظلت مثار جدل واسع، ليس فقط بسبب أدوارها، بل بسبب غياب أي مراجعة حقيقية لتلك المرحلة. لم يعد النقاش هنا نظريًا، بل يمسّ طبيعة المسار نفسه. فالفارق واضح بين الاستفادة من خبرات إدارية حقيقية، وبين إعادة تدوير نفوذ نشأ خارج معايير الدولة، ثم تقديمه اليوم على أنه جزء من الحل، لا امتدادًا للمشكلة. عند هذه النقطة، لن يكون السؤال عن مدى احتياجنا إلى الخبرة، إنما أي خبرة يُعاد الاعتبار لها، وبأي ثمن؟ وهل يمكن مطالبة المواطنين بطيّ صفحة، لم تُفتح أصلًا على طاولة المحاسبة؟ وتزداد المفارقة وضوحًا عند النظر إلى ما يجري خارج الحدود: ففي الوقت الذي يُعاد فيه تقديم بعض الوجوه في الداخل، تواصل محاكم في ألمانيا وفرنسا وهولندا والولايات المتحدة ملاحقة ومحاكمة متهمين بارتكاب انتهاكات خلال سنوات الصراع في سوريا، في مفارقة يصعب تجاهلها. وهنا يصبح السؤال أكثر إلحاحًا: كيف يمكن تفسير أن تتحرك العدالة خارج الحدود، فيما تبقى داخلها مؤجلة؟ ولماذا تتحمل مؤسسات قضائية أجنبية عبء ملفات يُفترض أنها في صميم مسؤولية الدولة السورية؟ إن ترك هذا التناقض دون معالجة لا يضعف فقط صورة العدالة، بل يضعف ثقة المواطن بكل مسار إعادة البناء. فالدولة التي تسعى إلى ترميم مؤسساتها لا يمكن أن تغضّ الطرف عن أحد أهم أسسها، وهي المساءلة. ترك هذا التباين قائمًا لا يهدد الثقة فحسب، بل يفتح الباب أمام تساؤلات مشروعة حول جدية المسار برمّته. وعند هذه النقطة، لا تعود المشكلة في الأسماء بحد ذاتها، بل في المعايير التي تسمح بعودتها، وفي غياب الإجابة الرسمية عن سؤال بات واضحًا: من يُحاسَب، ومن يُعاد تقديمه، وعلى أي أساس؟ ليس المطلوب إقصاءً جماعيًا، ولا فتح أبواب الفوضى، بل وضع حدّ واضح بين من امتلك خبرة مهنية، ومن ارتبط اسمه بوقائع لا يمكن تجاوزها دون تحقيق ومحاسبة. فالفصل بين هذين المسارين هو ما يصنع الفارق بين إعادة بناء الدولة وإعادة تكريس الخلل نفسه. إعادة تدوير الأسماء دون معايير شفافة، ودون مسار عدالة واضح، يحمل خطرًا حقيقيًا يتمثل في تحويل الاستقرار إلى مجرد هدنة مؤقتة، بدل أن يكون نتيجة تسوية عادلة ومستدامة. المسؤولية هنا لا تقع على عاتق الجدل الشعبي، ولا على ضجيج المنصات، بل على عاتق السلطة؛ فهي الجهة الوحيدة القادرة على معالجة هذا الملف، وتحويله من عبء مؤجل إلى فرصة تأسيسية تتيح إعادة تعريف العلاقة بينها وبين المجتمع على أسس أكثر وضوحًا وثقة. إن الاستمرار في تجاهل هذا الملف، أو التعامل معه بوصفه تفصيلًا يمكن تأجيله، لم يعد خيارًا آمنًا. إعادة تقديم شخصيات يعرفها الشارع جيدًا—بماضيها قبل حاضرها—دون مراجعة واضحة، يرسل رسالة معاكسة لكل حديث عن التغيير. كما يضع الدولة في موقع من يبدو وكأنه يتعايش مع ذاكرة لم تُنصف بعد، بينما تتحرك العدالة خارج حدودها بثبات أكبر. ترك هذا التباين قائمًا لا يهدد الثقة فحسب، بل يفتح الباب أمام تساؤلات مشروعة حول جدية المسار برمّته. وعند هذه النقطة، لا تعود المشكلة في الأسماء بحد ذاتها، بل في المعايير التي تسمح بعودتها، وفي غياب الإجابة الرسمية عن سؤال بات واضحًا: من يُحاسَب، ومن يُعاد تقديمه، وعلى أي أساس؟ فالعدالة ليست شعارًا يُرفع، بل مسار يُبنى. وإن لم يُبنَ هنا في الداخل، فسيبقى يُبنى في أماكن أخرى… لكن على حساب صورة الدولة وثقة أبنائها.

المصدر