
تلفزيون سوريا: السبت, 13 حزيران 2026 الساعة 6 صباحاً
تشهد مدن وبلدات ريف حلب الشمالي خلال الأشهر الأخيرة حالة من الجدل والاستياء الشعبي، على خلفية فرض رسوم وضرائب جديدة من قبل المجالس المحلية، في وقت يشكو فيه الأهالي من تدهور الخدمات الأساسية وغياب التحسينات الملموسة على أرض الواقع.
وفي حين تقول المجالس المحلية إن هذه الرسوم أصبحت ضرورة لاستمرار عمل البلديات وتأمين الحد الأدنى من الخدمات، يرى كثير من الأهالي أن ما يجبى منهم لا ينعكس بأي شكل على واقع المدن التي تعاني من تراكم القمامة، ورداءة البنية التحتية، وغياب مشاريع الصيانة والخدمات العامة، وتصدرت مدينة عفرين هذا الجدل مؤخراً، بعد قرار أثار موجة غضب واسعة في الأوساط التجارية والشعبية، قبل أن تمتد النقاشات إلى مدن أخرى مثل تل رفعت ومارع، حيث يواجه الأهالي واقعاً خدمياً هشاً يقابله ارتفاع مستمر في الرسوم المفروضة عليهم.
قرار جديد يشعل غضب التجار في عفرين
بدأت موجة الانتقادات الأخيرة في مدينة عفرين عقب القرار الصادر عن المكتب التنفيذي لمجلس المدينة بتاريخ 25 أيار/مايو 2026، والذي تضمّن فرض رسوم جديدة على المنازل، والمحال التجارية والفعاليات الاقتصادية داخل المدينة، في خطوة أثارت جدلاً واسعاً بين الأوساط التجارية والسكان على حد سواء.
وأثار القرار حالة استياء واضحة بين أصحاب المحال التجارية، الذين وصفوا الرسوم الجديدة بأنها مرتفعة وغير مبررة، خاصة في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة التي تعيشها المنطقة، وتراجع الحركة التجارية بشكل ملحوظ، إضافة إلى ضعف القدرة الشرائية لدى الأهالي، ما انعكس مباشرة على حجم المبيعات واستمرارية النشاط الاقتصادي لعدد كبير من التجار الصغار.
التقى موقع تلفزيون سوريا، سامر مصطفى، وهو صاحب محل لبيع الهواتف المحمولة في مدينة عفرين، يرى بأن القرار الجديد جاء ليضيف عبئاً إضافياً على أصحاب المشاريع الصغيرة الذين يعانون أصلاً من تراجع حاد في الدخل، ويؤكد أنه يرفض هذه الرسوم الجديدة، موضحاً أنه يدفع بالفعل سلسلة من الضرائب والرسوم السابقة دون أن يلمس أي تحسن فعلي في مستوى الخدمات المقدمة داخل المدينة.
ويضيف مصطفى: "الضرائب ترتفع بشكل متكرر، لكن الواقع في المدينة لا يتغير، الطرقات ما زالت سيئة، خدمات النظافة متراجعة، والبنية الخدمية الأساسية شبه غائبة، ولا يوجد أي مؤشر على أن هذه الأموال تنعكس على حياة الناس أو على تحسين الوضع العام"، ويشير إلى أن الرسوم الجديدة المفروضة على محله تصل إلى نحو 8 دولارات شهرياً، معتبراً أن هذا المبلغ، رغم بساطته رقمياً، أصبح يشكل عبئاً تراكمياً على أصحاب الأعمال الصغيرة، خصوصاً في ظل الركود الاقتصادي العام وغياب الدعم أو التسهيلات التجارية، ويرى عدد من التجار أن المشكلة لا تقتصر على قيمة الرسوم فقط، بل تمتد إلى غياب الشفافية حول آلية إنفاق هذه الأموال، وكيفية توزيعها على الخدمات العامة، ما يعزز حالة الشك وعدم الثقة بين الشارع والجهات المحلية.
اقرأ أيضاً
مراجعات متكررة لـ "النفوس".. عراقيل تواجه آلاف السوريين لافتقارهم بطاقات شخصية
ربط الخدمات بالجباية
خلال السنوات الماضية، اعتمدت مديرية المياه في عفرين آلية تحصيل غير مباشرة لرسوم المياه والخدمات، عبر ربطها بخدمة الكهرباء، بحيث لا يتمكن المشترك من تجديد أو شحن اشتراك الكهرباء قبل تسديد ما يترتب عليه من رسوم المياه والنظافة وغيرها من الاستحقاقات الخدمية.
وقد دفعت هذه الآلية شريحة واسعة من الأهالي إلى وصفها بأنها أمر واقع مفروض عليهم، خصوصاً أن الكهرباء تعد من الخدمات الأساسية التي لا يمكن الاستغناء عنها في الحياة اليومية، ما يجعل الالتزام بدفع الرسوم المرتبطة بها إلزامياً، حتى في حال وجود اعتراضات على مستوى الخدمات أو طريقة احتسابها، ويؤكد عدد من الأهالي ممن التقاهم موقع تلفزيون سوريا أن هذا الربط حول عملية الدفع إلى شرط مسبق للاستمرار في الحصول على الكهرباء، ما يحد من قدرتهم على التفاوض أو حتى الاعتراض الفعلي على الرسوم المفروضة.
وبحسب مصادر محلية تحدثت لموقع تلفزيون سوريا، بدأت مديرية المياه مؤخراً باتخاذ خطوات جديدة باتجاه تنظيم عملية الجباية بشكل مباشر، من خلال تخصيص مراكز تحصيل مستقلة، بالتوازي مع تركيب عدادات مياه حديثة في عدد من الأحياء، في إطار خطة تقول الجهات المعنية إنها تهدف إلى تحسين إدارة الموارد وتطوير آليات التحصيل.
لكن هذه الآلية لا تبدو محصورة بعفرين وحدها، إذ تشير المصادر إلى أن النموذج نفسه طُبق بدرجات متفاوتة في عدة مدن وبلدات شمالي حلب، من بينها تل رفعت واعزاز ومارع وصوران وغيرها، حيث يتم ربط تسديد رسوم الخدمات بعمليات شحن بطاقات الكهرباء، بحيث يطلب من الأهالي دفع المستحقات المالية المتراكمة عليهم عند كل عملية تعبئة رصيد للكهرباء.
ويرى منتقدون أن هذا الربط بين الخدمات الأساسية والجباية يضع السكان أمام التزام مالي إجباري متكرر، ويقلّص من مساحة الاختيار أو الاعتراض، في حين تعتبره الجهات المحلية وسيلة لضمان استمرارية التمويل اللازم لتشغيل الخدمات العامة في ظل شح الموارد وغياب التمويل المركزي المستقر.
تؤكد الجهات المحلية في عفرين أنها تتابع شكاوى الأهالي، وأن هناك توجهاً لإعادة النظر في بعض الرسوم المفروضة بما يتناسب مع الواقع المعيشي للأهالي، وقال زانا خليل، مدير المكتب الإعلامي في إدارة منطقة عفرين، لموقع تلفزيون سوريا، إن الإدارة تدرس حالياً الملاحظات الواردة من الأهالي وأصحاب الفعاليات التجارية، مشيراً إلى أن تعديلات قد تجرى على الرسوم خلال الفترة المقبلة، وأضاف أن المجالس المحلية تواجه صعوبات مالية كبيرة، في ظل محدودية الدعم الحكومي وارتفاع تكاليف تشغيل الخدمات الأساسية، لا سيما المياه والنظافة والمحروقات.
حلب تختنق بالنفايات.. هل هي أزمة نظافة أم فشل إدارة؟
بين ضعف الموارد وتآكل الثقة
لا تبدو أزمة الرسوم والجباية محصورة في مدينتي عفرين وتل رفعت وحدهما، بل تمتد لتشمل معظم مدن وبلدات ريف حلب الشمالي، من بينها اعزاز ومارع وغيرها، حيث تواجه المجالس المحلية تحديات متفاقمة تتعلق بنقص حاد في التمويل وضعف الإمكانات التشغيلية اللازمة لتسيير الخدمات الأساسية.
وبحسب مصادر محلية، فإن هذه المجالس لا تتلقى أي دعم حكومي منتظم يغطي تكاليف التشغيل اليومية، سواء في قطاعات المياه أو النظافة أو البنية التحتية، ما يضعها أمام اعتماد شبه كامل على الموارد الذاتية، وفي المقابل، لا تتجاوز رواتب عدد من الموظفين حدوداً متدنية للغاية، قد تصل في بعض الحالات إلى نحو 100 دولار شهرياً، وهو ما يعكس حجم الفجوة بين المهام الموكلة لهذه الإدارات وبين الإمكانات المالية المتاحة لها.
وفي مدينة تل رفعت على سبيل المثال، لا يتجاوز راتب رئيس المجلس المحلي نحو 95 دولاراً شهرياً، في مؤشر يعكس هشاشة التمويل العام الذي تعتمد عليه هذه المؤسسات، أما في مدينة مارع، فقد أثارت الرسوم المفروضة على الأهالي، والتي تصل إلى نحو 200 ليرة تركية شهرياً وتشمل خدمات المياه والنظافة ومصاريف تشغيلية أخرى، جدلاً واسعاً، لا سيما أن جزءاً من هذه الرسوم يذهب لتغطية رواتب عمال وموظفين لا يتلقون أي تمويل حكومي منتظم.
وتعتمد البلديات في ريف حلب بشكل شبه كامل على الرسوم المحلية لتغطية النفقات التشغيلية، بدءاً من من صيانة شبكات المياه وترحيل النفايات والخدمات اليومية الأخرى، ما يجعل استمرارية الخدمات مرهونة مباشرة بحجم ما يتم تحصيله من الجباية، وترى مصادر محلية متابعة أن جوهر الأزمة لا يرتبط فقط بقيمة الرسوم المفروضة، بل يتجاوز ذلك إلى أزمة ثقة متفاقمة بين الأهالي والمجالس والبلديات، إذ يشعر كثير من الأهالي أن ما يتم دفعه لا ينعكس بشكل ملموس على جودة الخدمات المقدمة في الأحياء والبلدات.
وتشير المصادر إلى أن البلديات تواجه بالفعل معضلة مالية حقيقية ومعقدة، غير أن غياب الشفافية في توضيح آليات الجباية والإنفاق يزيد من حالة الاحتقان الشعبي، خصوصاً في ظل أوضاع اقتصادية خانقة يعيشها الأهالي في المنطقة التي كانت تنعم بحالة شبه مستقرة في الفترة ما قبل التحرير، وفي المقابل، يرى مراقبون أن المجالس المحلية تقف أمام معادلة صعبة ومعقدة، فهي مطالبة بتأمين الحد الأدنى من الخدمات الأساسية في بيئة تفتقر إلى التمويل المركزي المستقر والدعم الحكومي الفعال، بينما تواجه في الوقت ذاته رفضاً مجتمعياً متزايداً لأي زيادات جديدة في الرسوم أو توسيع في سياسات الجباية.
وفي ظل هذا الواقع، تبدو مدن وبلدات ريف حلب الشمالي أمام تحد متزايد يتمثل في كيفية تأمين الخدمات الأساسية دون تحميل الأهالي أعباء إضافية تفوق قدرتهم على الاحتمال، وبين حاجة البلديات إلى التمويل، ومطالب الأهالي بخدمات حقيقية وشفافية أكبر، تبقى أزمة الرسوم والجباية واحدة من أكثر الملفات حساسية في المنطقة، وسط تساؤلات مستمرة حول قدرة الإدارات المحلية على استعادة ثقة الشارع وتحقيق توازن فعلي بين الجباية وتحسين الواقع الخدمي.
اقرأ أيضاً
المصدر