
تلفزيون سوريا: الثلاثاء, 18 آب 2026 الساعة 5 مساءً
ضربت أربع غارات جوية، فجر الثلاثاء، مطار أبو الظهور العسكري في ريف إدلب الشرقي، وأكد مصدر عسكري خاص لتلفزيون سوريا أن الطائرات المنفذة إسرائيلية، وأنها استهدفت مدرج المطار وحظائر طائرات مهجورة، من دون سقوط ضحايا مدنيين، فيما اقتصرت الخسائر على الأضرار المادية.
وأدانت وزارة الخارجية والمغتربين الغارات بأشد العبارات، ووصفتها بأنها عدوان غير مبرر وانتهاك للسيادة السورية. وقالت الوزارة إن استمرار الاعتداءات الإسرائيلية، في وقت تلتزم فيه الدولة السورية بضبط النفس، يكشف محاولة إسرائيلية لجر المنطقة إلى مزيد من التوتر. وحمّلت إسرائيل مسؤولية التصعيد، ودعت المجتمع الدولي ومجلس الأمن إلى إدانة الهجوم واتخاذ موقف منه.
وجاء الموقف الأميركي أكثر مباشرة من عبارات التهدئة المعتادة. فقد قال المبعوث الأميركي إلى سوريا توم باراك إن واشنطن تشعر بـ"قلق بالغ" إزاء الغارات المؤكدة على قاعدة أبو الظهور، واعتبرها "تصعيداً غير ضروري لا يخدم الاستقرار الإقليمي"، وحث جميع الأطراف على تقديم الحوار المنطقي على أي اشتباك عسكري جديد.
لم تعلن إسرائيل مسؤوليتها رسمياً، لكن غياب الإعلان لا يغير هوية المنفذ، أما في الإعلام الإسرائيلي، فانصرف النقاش سريعاً إلى السؤال عن الهدف. ونقل موقع "عرب 48" عن مراسل إذاعة الجيش الإسرائيلي دورون كدوش أن تنفيذ ضربة بهذا العمق، في ظل علاقات السلطة السورية الجديدة بواشنطن، يوحي بوجود هدف استثنائي، وطرح احتمال وصول شيء إلى القاعدة أو الرغبة في منع طائرة من الهبوط فيها.
اقرأ أيضاً
المقاتلات الحربية السورية تعود إلى أجواء إدلب وحلب.. ما التفاصيل؟
وقبل السيطرة على المطار في أيلول 2015، نُقلت المقاتلات القابلة للطيران من طرازَي "ميغ-23" و"ميغ-21" إلى مطار حماة، بحسب "Oryx"، ولهذا كانت غالبية الهياكل التي ظهرت بعد السيطرة عليه متروكة أو معطلة منذ سنوات. وانتهى حصار دام قرابة ثلاثة أعوام بسيطرة فصائل "جيش الفتح" على القاعدة في 9 أيلول 2015، وفق توثيق الذاكرة السورية.
واستعادت قوات النظام المخولع وحلفاؤها المطار في كانون الثاني 2018 بدعم روسي، قبل أن تنتزعه فصائل "ردع العدوان" في 30 تشرين الثاني 2024 خلال الهجوم الذي انتهى بسقوط الأسد.
ويمكن اعتبار المطار أقل أهمية من حيث الطائرات الموجودة فيه، إلا أنه أكثر أهمية من حيث ما يمكن أن يعود إليه. فالمدرج والملاجئ والموقع لا تعني وجود قوة جوية جاهزة، لكنها تختصر جزءاً من الوقت والموارد اللازمين لإنشاء قاعدة من الصفر. ومن هذا المنظور، يصبح ضرب منشأة قديمة في مرحلة التأهيل أسهل من انتظار اكتمالها، حتى لو لم تكن الطائرات المستهدفة موجودة بعد.
من تدمير الترسانة العسكرية إلى منع نشوء قدرة جديدة
لا تنفصل غارات أبو الظهور عن السياسة الإسرائيلية التي بدأت فور انهيار نظام الأسد. ففي غضون 48 ساعة من سقوطه، قال الجيش الإسرائيلي إنه نفذ أكثر من 350 غارة على بطاريات مضادة للطائرات ومطارات عسكرية ومواقع تصنيع أسلحة ومقاتلات وصواريخ، إضافة إلى استهداف قطع بحرية، وفق "رويترز". وقدمت إسرائيل الحملة آنذاك بوصفها إجراءً لمنع الأسلحة الاستراتيجية من الوقوع في أيدي القوات التي أسقطت النظام.
غير أن ضربة أبو الظهور تأتي بعد نحو عشرين شهراً من تلك الحملة، وفي ظل سلطة مركزية جديدة تفاوض إسرائيل عبر قنوات ترعاها الولايات المتحدة، كما يوضح البيان الثلاثي الأميركي-السوري-الإسرائيلي. إلا أنه ومع هذا الاستهداف، يتحول "الخط الأحمر" من منع الاستيلاء على ترسانة الأسد إلى منع تشكل قدرة عسكرية سورية جديدة يمكن أن تقيد إسرائيل في المستقبل.
هذا التحول ينسجم مع ما نشرته هيئة البث الإسرائيلية "كان" قبل الغارات، إذ لم تركز على خطر طائرتين قديمتين بحد ذاته، بل على مسار أوسع يضم تجنيد الطيارين والتدريب وإعادة تأهيل سلاح الجو، وعلى احتمال أن تؤثر هذه العملية لاحقاً في حرية العمل الإسرائيلي. فالمقاتلات السورية القديمة لا تشكل، في وضعها الحالي، نداً لسلاح الجو الإسرائيلي، لكن القلق يبدأ من البنية التي قد تقود إلى رادارات ودفاعات جوية وقواعد محمية وشراكات خارجية.
اقرأ أيضاً
اختبار واشنطن في سوريا.. هل يسعى ترمب إلى تفكيك "الأحزمة الأمنية" الإسرائيلية؟
وساطة أميركية بلا مظلة حماية
جاء القصف في وقت قطعت فيه الاتصالات السورية-الإسرائيلية شوطاً أبعد من أي مرحلة سابقة منذ سقوط نظام الأسد. ففي أيلول من العام الفائت، نقلت "رويترز" أن واشنطن تضغط لتسريع اتفاق أمني تطلب دمشق من خلاله وقف الغارات والانسحاب الإسرائيلي من الأراضي التي احتُلت بعد انهيار النظام والعودة إلى ترتيبات فك الاشتباك لعام 1974، بينما دفعت إسرائيل نحو منطقة واسعة منزوعة السلاح في الجنوب والاحتفاظ بهامش تدخل عسكري.
وفي 6 كانون الثاني الفائت، انتهت محادثات في باريس إلى إنشاء "آلية دمج مشتركة"، وهي خلية اتصال مخصصة للتنسيق الفوري والمستمر وتبادل المعلومات وخفض التصعيد العسكري، وفق البيان الثلاثي الذي نشرته وزارة الخارجية الأميركية. وأكدت "رويترز" أن الآلية جاءت بعد محادثات بوساطة أميركية وشملت التنسيق في ملفات الأمن والاستخبارات.
وتزداد حساسية التوقيت مع ما نشرته القناة "13" الإسرائيلية في 14 آب/أغسطس، قبل غارات أبو الظهور بأربعة أيام. فقد قالت إن إسرائيل طلبت من الولايات المتحدة تنفيذ ضربة جديدة في سوريا على خلفية توسع نفوذ الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، لكن ترمب أوقف العملية.
وقبل الغارات بيوم، التقى وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني المبعوث الأميركي توم براك في إسطنبول. وقالت وكالة "سانا" إن الاجتماع تناول العلاقات الثنائية والتطورات الإقليمية والتعافي الاقتصادي ورفع العقوبات وإعادة الإعمار.
رسائل تتجاوز حدود المطار
تتجه الرسالة الأولى إلى دمشق والمؤسسة العسكرية السورية. فإعادة بناء سلاح الجو لن تُعامل إسرائيلياً باعتبارها شأناً سيادياً داخلياً فقط، حتى إذا اقتصرت بدايتها على طائرات سوفياتية قديمة وطلعات تدريب. وما أثار القلق الإسرائيلي، وفق "كان"، لم يكن مستوى القوة الحالي، بل اتجاه الحركة، تجنيد طيارين، واستعادة التدريب، وظهور المقاتلات مجدداً في السماء.
اقرأ أيضاً
المصدر