
تلفزيون سوريا: الأربعاء, 19 آب 2026 الساعة 5 صباحاً
لم تتوقف تداعيات الغارات الإسرائيلية التي استهدفت مطار أبو الظهور العسكري في ريف إدلب الشرقي عند حدود الأضرار المادية التي خلفتها، بل انتقلت سريعاً إلى الساحة الدبلوماسية، مع توجيه سوريا رسالتين متطابقتين إلى الأمين العام للأمم المتحدة ورئاسة مجلس الأمن، طالبت فيهما بالتعامل مع الهجمات الإسرائيلية باعتبارها انتهاكاً لسيادتها وتهديداً لاستقرار المنطقة.
وتأتي الضربة في وقت تحاول فيه دمشق تثبيت مرحلة جديدة من الاستقرار وإعادة بناء مؤسساتها وعلاقاتها الإقليمية والدولية، بينما تتداخل في خلفيات الهجوم حسابات إسرائيلية مرتبطة بالدور التركي في سوريا.
أبو الظهور تحت القصف.. ضربة بلا خسائر بشرية
استهدفت الغارات الإسرائيلية، فجر الثلاثاء 18 من آب، مطار أبو الظهور العسكري في ريف إدلب الشرقي، في هجوم قالت سوريا إنه طال منشأة عسكرية على أراضيها، من دون تسجيل ضحايا، في حين اقتصرت الأضرار على المنشآت والمدرجات.
واستهدفت الغارات، وفق ما أفاد به مراسل تلفزيون سوريا، مدرج المطار وحظائر ومنشآت عسكرية مهجورة. وأكدت مصادر سورية أن الطائرات المنفذة إسرائيلية، وهو ما دعمته تقارير دولية، بينها وكالة "رويترز" التي ذكرت أن ثماني غارات أصابت المدرج ومناطق التخزين من دون تسجيل إصابات.
وتكتسب الضربة أهمية خاصة كونها استهدفت قاعدة عسكرية تقع في شمال غربي سوريا، بعيداً نسبياً عن خطوط التماس التقليدية مع إسرائيل، وفي منطقة ترتبط بشكل مباشر بالحضور والنفوذ التركي في الشمال السوري.
وجاء الهجوم في سياق سلسلة من الاعتداءات الإسرائيلية التي تقول دمشق إنها مستمرة منذ سقوط نظام الأسد المخلوع في كانون الأول 2024، رغم تبني الحكومة السورية سياسة تقوم على تجنب المواجهة المباشرة والعمل على تثبيت الأمن والاستقرار.
اقرأ أيضاً
بعد عودة المقاتلات إلى سماء الشمال.. ماذا أرادت إسرائيل من قصف أبو الظهور؟
إسرائيل وتركيا.. البعد غير المعلن للغارة
إلى جانب الرواية السورية، برز تفسير إسرائيلي مختلف لدوافع الهجوم. فقد نقلت تقارير أميركية عن مسؤولين إسرائيليين أن الضربة استهدفت منع إقامة وجود عسكري تركي في مطار أبو الظهور.
وبحسب الإعلام الإسرائيلي، فقد كانت تل أبيب تخشى أن تسمح دمشق لأنقرة بنشر قوات في القاعدة، بما قد يؤدي إلى تغيير المعادلات العسكرية في المنطقة. وأشارت تقارير إلى أن إسرائيل اعتبرت الخطوة التركية المحتملة خرقاً لترتيبات أمنية قائمة بينها وبين سوريا.
في المقابل، نفت تركيا وجود قوات لها في مطار أبو الظهور، ورفضت المبررات الإسرائيلية للغارة. ويعكس ذلك أن الهجوم لم يعد محصوراً في العلاقة بين إسرائيل وسوريا، بل بات مرتبطاً أيضاً بالتنافس المتزايد بين أنقرة وتل أبيب على طبيعة الترتيبات الأمنية في سوريا.
وتكتسب هذه النقطة أهمية خاصة في ظل تنامي التعاون السوري-التركي، ودعم أنقرة للحكومة السورية الجديدة، مقابل مخاوف إسرائيلية من اتساع الدور التركي العسكري والأمني داخل الأراضي السورية.
ومن هذا المنظور، يمكن قراءة استهداف أبو الظهور باعتباره رسالة تتجاوز المنشأة العسكرية نفسها، وتطول أي ترتيبات إقليمية جديدة قد تمنح تركيا حضوراً عسكرياً أكبر في الشمال السوري.
اقرأ أيضاً
بعد الهجوم على "أبو الظهور".. واشنطن تسعى لمنع الصدام بين إسرائيل وتركيا وسوريا
موقع استراتيجي وأهمية عسكرية
يقع مطار أبو الظهور العسكري شرقي مدينة سراقب بنحو 27 كيلومتراً، بمحاذاة بلدة أبو الظهور، ويتمتع بموقع استراتيجي بين محافظات إدلب وحماة وحلب، وبالقرب من البادية السورية.
ويُعد المطار من أبرز القواعد العسكرية في شمالي سوريا، وكان من القواعد التابعة للنظام المخلوع، كما شكل خلال سنوات الحرب نقطة ارتكاز للعمليات العسكرية في المنطقة. وتختلف التقديرات بشأن مساحته، إذ تشير مصادر إلى امتداده على نحو 16 كيلومتراً مربعاً، بينما تقدر مصادر أخرى مساحته بنحو 23 كيلومتراً مربعاً، ويضم عدداً من المدرجات.
وسيطرت الفصائل المعارضة على المطار عام 2015، بعد حصار استمر نحو ثلاث سنوات، قبل أن تستعيد قوات النظام المخلوع السيطرة عليه في كانون الثاني/يناير 2018، خلال هجوم واسع بدأ في أواخر عام 2017 بدعم روسي في ريف إدلب الجنوبي الشرقي.
وشكلت استعادة أبو الظهور آنذاك أحد أبرز مكاسب قوات النظام المخلوع في طريقها إلى استعادة مواقع عسكرية رئيسية في محافظة إدلب، التي كانت تسيطر عليها فصائل المعارضة.
وتكشف غارات أبو الظهور أن الملف الإسرائيلي في سوريا لم يعد منفصلاً عن إعادة ترتيب النفوذ الإقليمي داخل البلاد. فبينما ترى دمشق في الضربة انتهاكاً لسيادتها وتقويضاً لمسار الاستقرار الذي تحاول تثبيته، تقدم إسرائيل الهجوم في إطار منع تغيرات عسكرية تعتبرها تهديداً لأمنها، بينما تنظر تركيا إليه باعتباره اعتداءً على سوريا وتهديداً لترتيباتها الأمنية، وتتحرك واشنطن لمنع تحول التنافس بين حلفائها إلى مواجهة مباشرة.
وفي هذا السياق، تحمل الرسالتان اللتان وجهتهما دمشق إلى الأمم المتحدة أهمية تتجاوز تسجيل موقف احتجاجي؛ إذ تسعى سوريا إلى نقل ملف الاعتداءات الإسرائيلية من دائرة البيانات السياسية إلى إطار دولي، وربطه بمسؤولية مجلس الأمن عن حماية سيادة الدول ومنع التصعيد، في وقت تختبر فيه الحكومة السورية الجديدة قدرتها على تثبيت موقعها الدولي والإقليمي في مرحلة شديدة الحساسية
المصدر