
تلفزيون سوريا: الأربعاء, 19 آب 2026 الساعة 6 صباحاً
خلف مقصّات الحديد ومعدات اللحام، يقف عبد الله، ابن الخامسة عشرة، بانتظار صدور نتيجة الشهادة الإعدادية، يتحدث بثقة عن نجاحه المرتقب وتحصيله مجموعاً مرتفعاً، ثم يمسح عرقه بطرف كمّه، ويقول إن عمله المؤقت في ورشة لصناعة مجففات الذرة سينتهي مع بدء العام الدراسي.
اضطر عبد الله إلى دخول سوق العمل في سن مبكرة بسبب مرض والده، وغياب أي مصدر دخل للعائلة سوى راتب والدته المعلمة. وتنقّل بين عدد من المهن في المنطقة الصناعية بدمشق، قبل أن يستقر في ورشة المعلم "أبو ياسر"، الرجل "الحقّاني" الذي "لا يأكل تعب الآخرين"، كما يصفه عبد الله.
عمالة الأطفال في الساحل.. أزمة تتسع تحت ضغط الفقر والنزوح
عمالة الأطفال في القانون السوري
يمنع قانون العمل السوري رقم 17 لعام 2010، تشغيل الأطفال دون سن الـ15 عاماً، ويفرض عقوبات صارمة على المخالفين تصل إلى السجن ودفع الغرامات ومصادرة أو إغلاق المنشآت المخالفة.
كما تحاول وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل، تكثيف جولات التفتيش عن عمالة الأطفال القاصرين، لكن ضبط المخالفين، ليس بالأمر السهل، في ظل موافقة الأطفال على ظروف العمل، وتعاونهم مع أرباب الورش على إخفاء حقيقة عملهم عن الدوريات التي تدهم المكان.
وخلال جولة لموقع تلفزيون سوريا بين ورش ميكانيك السيارات والحدادة وصناعة خزانات الحديد، كان أصحاب الورش يؤكدون أن الأمور تسير على ما يرام، لكن العيون البريئة التي تلمع من خلف محركات الديزل، والأصابع النحيلة الظاهرة بين أكوام الخردة، كانت تقول شيئاً آخر، فالناس هنا "تريد أن تعيش"، كما يقول عبد الله، ولا يعنيها كثيراً قانون تشغيل الأطفال أو برامج وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل، ما دامت مشكلة الفقر المدقع لم تُحل من جذورها.
نبش حاويات القمامة أسوأ أنواع عمالة الأطفال
يفتحون كل علبة وكيس، وبعضهم ينزل إلى داخل حاوية القمامة على أمل العثور على شيء لم ينتبه إليه الآخرون. يحدثنا أحد الأطفال عن صديق له عثر على خاتم من ذهب داخل كيس للقمامة، ويقول: "عندي أمل أنني سأعثر على كنز ما داخل أكوام الزبالة، يجعلني أقبر الفقر".
تعمل في هذه المهنة، أسر كاملة، حيث يقتسم الأفراد المهمات، بين جامع لقناني البلاستيك، وآخر يهتم بالألبسة والأحذية والمعدات التي يرميها أصحابها. ويعتبر حمل كيس الخيش الكبير على ظهر الطفل، من معدات الشغل، حيث لا ينتهي النهار إلا وامتلأ بشكل كامل. أما إذا كان الإنتاج وفيراً، فإن الأسرة تجمع الأكياس في مكان، لتتابع مهمتها قبل أن تعود إليه بعد غياب الشمس.
سوريا تشارك في مؤتمر مراكش الدولي لمكافحة عمالة الأطفال
إحصائيات مخيفة للمنظمات الدولية
لا توجد إحصائيات رسمية، لعدد الأطفال السوريين القاصرين، العاملين في المهن الشاقة، لكن الأمم المتحدة تستند إلى أعداد الأطفال المتسربين من المدارس، والأطفال المحتاجين إلى الحماية، الذين تقدر عددهم بـ7.2 ملايين طفل، عدا المتسربين من المدارس. وتقول في أحدث تقاريرها، إن 45% من أولئك الأطفال يعملون بالزراعة، و25% في ورش الصناعة والميكانيك، و15% بجمع النفايات والحاويات، و15% يعملون كبائعين جوالين أو عتالين وغير ذلك.
ويؤكد دكتور علم الاجتماع في جامعة دمشق، إبراهيم العبيدي، لموقع تلفزيون سوريا، أن ظاهرة عمالة الأطفال مرتبطة بشكل مباشر، بظاهرة التسرب من التعليم، حيث ترتفع النسبتان طرداً. ويضيف: "إشكالية هذه الظاهرة، أن هؤلاء الأطفال يعيدون إنتاج حلقة الفقر من جديد، وفي المستقبل ينضمون إلى القوى العاملة غير الماهرة وغير المختصة التي تعاني من تدني الأجور، ما يمنعهم من تحسين مستواهم المعيشي وتوريثهم الفقر حتى لأبنائهم".
ويحذر العبيدي أن هناك فجوة معرفية تحصل بسبب عمل الأطفال القاصرين، بمهنٍ لا تغني ولا تثمر، فالجيل القادم من أولئك سيكون معزولاً تماماً وعاجزاً عن مواكبة أبسط أشكال الحياة المعرفية والتقنية. ويضيف: "الخطورة الثانية التي يجب التحذير منها، هي الانحراف والجريمة المنظمة التي ترتفع بشكل كبير في صفوف المتسربين والعاملين من الأطفال القاصرين".
لكن إعادة تأهيل نحو 7.2 ملايين طفل سوري متسربين من المدارس، ويعملون في مهن شاقة نفسياً وجسدياً، لا شك تتطلب ميزانيات كبيرة وكوادر وبنية تحتية لا تتوفر لدى وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل، أو التربية والثقافة، ما يتطلب الإعلان عن خطة وطنية عامة.
وحتى الآن، لا يزال الطفل الحالم بالعثور على خاتم الذهب ينبش أكوام القمامة المتجمعة في حي كشكول على أطراف دمشق، في حين يواصل عبد الله، في المنطقة الصناعية، انتظار نتيجة "التاسع". نتيجة قد لا تنقذه فوراً من العمل في صناعة آلات مجففات الذرة وميكانيك السيارات، لكنها ستمنحه قدراً أكبر من الأمل، وتشعره بأنه سيغادر هذا المكان يوماً إلى حيث يستحق.
المصدر