الضربات الإسرائيلية في سوريا.. استهداف للتموضع التركي أم للقوة السورية؟



تلفزيون سوريا: الأربعاء, 19 آب 2026 الساعة 10 صباحاً

لم تكن الغارات الإسرائيلية التي استهدفت مطار أبو الظهور العسكري شرقي إدلب، فجر الثلاثاء، مجرد ضربة على مدرج قيد التأهيل في قاعدة لم تدخل الخدمة بعد. فالأضرار العسكرية المباشرة بدت محدودة، ولم تُسجَّل خسائر بشرية، لكن الرسائل السياسية التي حملتها الضربة كانت أكبر بكثير من حجم الدمار الذي خلّفته. فبعد أقل من عامين على سقوط نظام بشار الأسد المخلوع، وإطلاق سوريا الجديدة مساراً طويلاً لإعادة بناء مؤسسات الدولة، تعود الأسئلة ذاتها لتفرض نفسها: هل ما زالت سوريا ساحة تتبادل فوقها القوى الإقليمية والدولية رسائلها، أم إنها بدأت تتحول تدريجياً إلى طرف يسعى إلى امتلاك قراره وترتيب مصالحه وتحالفاته بنفسه؟ ربما لا تقدّم أبو الظهور إجابة نهائية، لكنها تفتح الباب أمام هذا السؤال من جديد. اقرأ أيضاً إسرائيل تزعم استهداف وجود تركي في مطار "أبو الظهور" وأنقرة تنفي نمط يتكرر يصعب النظر إلى ما جرى في أبو الظهور باعتباره حادثة منفصلة عن السياق الأوسع؛ فخلال العامين الأخيرين، استهدفت إسرائيل عدداً من المواقع العسكرية السورية التي ارتبط اسمها ببرامج إعادة التأهيل أو بالتعاون العسكري السوري التركي، من بينها مطار "تي فور" في تدمر ومطار "حماة" العسكري. وفي أكثر من محطة، جاءت الضربات بعد تقارير تحدثت عن زيارات فنية أو عسكرية، أو مشاريع تطوير محتملة داخل تلك القواعد. من هنا، يرى محللون أن ما جرى في أبو الظهور لا يتعلق بالضرورة بما كان موجوداً داخل المطار ليلة القصف، بقدر ما يتعلق بما يمكن أن يصبح عليه مستقبلًا. وبعبارة أخرى، يبدو أن جانباً من الاستراتيجية الإسرائيلية يقوم على منع تشكُّل وقائع عسكرية جديدة قبل اكتمالها، لا بعد تحولها إلى أمر واقع. من التمركز التركي إلى إعادة بناء الجيش السوري ركزت الرواية الإسرائيلية بصورة مباشرة على البعد التركي؛ فمكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي تحدث عن مخاوف تتعلق بتمركز قوات تركية في قاعدة جوية شمالي سوريا، معتبراً أن ذلك يمثل تهديداً للأمن الإسرائيلي. لكن تتبُّع مسار الأحداث خلال العامين الماضيين يفتح المجال أمام قراءة أوسع. فبعد سقوط الأسد المخلوه، شنت إسرائيل واحدة من أوسع حملاتها العسكرية، مستهدفة المطارات والطائرات ومنظومات الدفاع الجوي ومستودعات الأسلحة، تحت مبررات مختلفة تغيّرت مع تطور المشهد السوري. وبحسب إحصائية الباحث التركي أحمد أوصيال، انتقلت المبررات الإسرائيلية من الحديث عن منع انتقال السلاح إلى حزب الله ومواجهة النفوذ الإيراني خلال عهد الأسد، إلى ذرائع مرتبطة بمنع إعادة بناء القدرات العسكرية السورية والحد من النفوذ التركي بعد سقوط النظام. وتتعزز هذه القراءة باستهداف مواقع عديدة ارتبط اسمها بمشاريع إعادة التأهيل العسكري السوري، في وقت بدأت فيه دمشق استئناف برامج تدريب الطيارين، وأعادت تشغيل بعض المنشآت العسكرية بصورة تدريجية. اقرأ أيضاً بعد الهجوم على "أبو الظهور".. واشنطن تسعى لمنع الصدام بين إسرائيل وتركيا وسوريا أكثر من مطار في النهاية، قد لا تكون غارة أبو الظهور مجرد قصة مدرج دمرته الصواريخ، ثم يمكن إصلاحه من جديد.. فالحدث يبدو أكبر من ذلك. إنه يتعلق بالصراع على شكل سوريا التي تتشكل بعد حرب النظام المخلوع على السوريين، وبحدود ما يُسمح لها بإعادة بنائه عسكرياً وسياسياً، وبقدرة الدولة السورية على التحول من ساحة تتصارع فوقها القوى المختلفة إلى طرف يمتلك قراره ومؤسساته وعلاقاته. ولهذا، ربما لا يكون السؤال الحقيقي هو: لماذا قُصف مطار أبو الظهور؟ بل: هل تستطيع سوريا اليوم أن تفرض نفسها شريكاً في الاستقرار الإقليمي، أم إنها ستبقى ساحة مفتوحة لرسائل الآخرين وصراعاتهم؟.   

المصدر