الثغرة الساكسونية في الجدار الأوروبي



تلفزيون سوريا: السبت, 12 أيلول 2026 الساعة 7 صباحاً

مرة أخرى، يجد الجدار الأوروبي نفسه أمام امتحان صعود اليمين القومي عبر ثغرة ألمانية. ففي ساكسونيا-أنهالت، لم يكتفِ «البديل من أجل ألمانيا» بتسجيل نتيجة انتخابية كبيرة؛ فقد حصد نحو 44% من الأصوات، وحصل على 39 مقعداً من أصل 83، أي ثلاثة مقاعد فقط دون الأغلبية المطلقة، واضعاً الأحزاب التقليدية أمام سؤال أكثر صعوبة من تشكيل حكومة ولاية: ماذا تفعل عندما يصبح اليمين القومي المتشدد قادراً على الوصول إلى جزء واسع من الناخبين، وعندما تتحول قضايا مثل الهجرة والأمن والهوية والاقتصاد إلى ساحات يستطيع أن يجمعها داخل رواية سياسية واحدة؟ ساكسونيا لا تعزف وحدها اليوم على الساكسفون الألماني؛ فما يحدث يدخل سريعاً في الإيقاع السياسي الأوروبي. لا تبدو أوروبا مستعدة ببساطة للتخلي عن مشروعها. فالغضب من طريقة إدارة أوروبا لا يساوي بالضرورة رفض أوروبا نفسها؛ وقد يكون الخلاف الحقيقي بين الناخبين حول أي أوروبا يريدون، وكيف ينبغي أن توفر الأمن والرفاهية والعدالة. لكن، في المقابل، بات اليمين الأوروبي أكثر خبرة في العمل داخل المؤسسات، وأقدر على التنسيق عبر الحدود، وأعمق تأثيراً في تحديد النقاش السياسي، حتى من دون أن يتحول إلى كتلة موحدة. هذه النقطة مهمة لفهم صعود اليمين الأوروبي. فهو لا يحتاج إلى أن يجعل الأوروبيين جميعاً يمينيين مثله؛ يكفيه أن يدخل إلى أكبر عدد ممكن من أولوياتهم، وأن يعيد تفسيرها من منظوره. هنا تصبح ساكسونيا أكثر من نتيجة انتخابية ألمانية؛ إنها نافذة على معركة أوسع حول مستقبل المشروع الأوروبي. فالمواجهة لم تعد فقط بين أولويات اليمين القومي المتشدد وأولويات القوى الأوروبية الأخرى، بل حول من يملك حق تعريف المشكلة وتحديد الحل، ومن يستطيع تحويل مخاوف الناخبين إلى رواية سياسية عابرة للحدود. لهذا، فإن الأهم ليس كم صوتاً كسب اليمين القومي المتشدد في ساكسونيا، بل ما الدرس الذي ستستخلصه أوروبا؟ وهل تستطيع مؤسساتها وقواها التقليدية احتواء صعوده من دون أن تسمح له بإعادة تعريف أوروبا؟ في ساكسونيا-أنهالت، لا تكفي قراءة الأرقام لمعرفة ما الذي حدث. علينا أن نقرأ خلفها أيضاً: ماذا كان الناخب يريد أن يقول من خلال التصويت لـ«البديل من أجل ألمانيا»؟ قد يكون جزء من الإجابة في الهجرة، لكن اختزال المشهد فيها يضيّق زاوية القراءة. هناك اقتصاد، وغلاء معيشة، وأمن، وهوية، وحرب، وعلاقة بالمؤسسات، وشعور لدى قطاعات من الناخبين بأن الأحزاب التقليدية لا تتعامل مع أولوياتهم بما يعتقدون أنه يعبّر عنها. هذه النقطة مهمة لفهم صعود اليمين الأوروبي. فهو لا يحتاج إلى أن يجعل الأوروبيين جميعاً يمينيين مثله؛ يكفيه أن يدخل إلى أكبر عدد ممكن من أولوياتهم، وأن يعيد تفسيرها من منظوره. قوة اليمين القومي ليست في أن يجعل جميع الناخبين يتفقون معه، بل في قدرته على جعل مخاوف مختلفة تبدو وكأنها تنتمي إلى الرواية نفسها. وهنا تظهر إحدى أهم التحولات في خطابه: لم يعد يكتفي باستثمار قضية واحدة، بل يعمل على تركيب خريطة كاملة للقلق الأوروبي، ثم يضع نفسه في موقع من يملك تفسيرها. التحول الأخطر ليس أن يصبح الناخب الأوروبي يمينياً، بل أن ينجح اليمين في أن يصبح المفسّر الأكثر قدرة على جمع مخاوفه المتفرقة داخل رواية سياسية أوروبية واحدة. الأهم في صعود اليمين الأوروبي ليس دائماً ما يقوله عن نفسه، بل ما يدفع الآخرين إلى قوله نيابة عنه. فاليمين القومي لا يحتاج إلى الاتفاق مع جميع الأوروبيين حول الحل؛ يكفي أن يقنعهم بأن المشكلة التي يضعها في المقدمة هي المشكلة التي تستحق المعالجة أولاً. وهنا ينتقل تأثيره من صناديق الاقتراع إلى النظام السياسي نفسه. فالقوة التي كان يُنظر إليها طويلاً باعتبارها احتجاجية وعلى هامش النظام، أصبحت في عدد من الدول الأوروبية قادرة على التأثير في حسابات الأحزاب التقليدية، حتى عندما لا تشارك في الحكم، كما في التجربة السويدية التي قد تنقل هذا النفوذ إلى داخل الحكومة ذاتها. قد لا يصل هذا الجناح إلى الحكومة، لكنه يستطيع أن يفرض على خصومه القضايا التي يناقشونها، والملفات التي يتعين عليهم تقديم إجابات عنها، وأحياناً اللغة التي يستخدمونها في مخاطبة الناخبين. وهنا تكمن المفارقة: يمكن لحزب أن يبقى خارج الحكومة، لكنه يصبح حاضراً على طاولة قراراتها وفي خلفية سياساتها. وهذا هو الاختبار الأخطر أمام أوروبا: إذا اضطرت مؤسساتها وأحزابها التقليدية إلى إعادة ترتيب أولوياتها تحت ضغط اليمين القومي، فلن يكون قد كسب انتخابات فقط، بل يكون قد بدأ بتغيير القواعد التي تُدار وفقها المنافسة السياسية نفسها. من هنا، فإن المشكلة قد لا تكون بعد الآن في فكرة أوروبا، بل في وظيفة أوروبا. فقد لا يتحول التراجع في الثقة تلقائياً إلى رغبة في تفكيك الاتحاد الأوروبي أو العودة إلى أوروبا الدول المنعزلة. فالأوروبي ما زال يراهن على مشروع الوحدة، لكنه يريد أوروبا أكثر قدرة على حماية حدوده واقتصاده وأمنه وتحقيق مصالحه، وإن كان غاضباً من الطريقة التي تُدار بها بعض الملفات. وهذا تحديداً ما يفتح الباب على وسعه أمام اليمين المتشدد. فهو يستطيع تقديم نفسه باعتباره القوة التي تريد إعادة التوازن بين الدولة الوطنية والمؤسسات الأوروبية، لا باعتباره قوة تريد بالضرورة هدم المشروع الأوروبي. المعركة الأوروبية المقبلة قد لا تكون بين من يريد أوروبا ومن يرفضها، بل بين مشاريع مختلفة لإعادة تعريفها. وهنا يصبح صعود اليمين أخطر من مجرد زيادة شعبيته؛ فهو لا يحتاج إلى إقناع الناخب بأن أوروبا فكرة فاشلة، بل يستطيع أن يقول له إن المشكلة في أوروبا الحالية، وإن إنقاذها يتطلب تغيير طريقة عملها وأولوياتها. الحديث عن «توحد اليمين الأوروبي» هو استنتاج مبكر جداً. فقد تختلف الأحزاب اليمينية حول روسيا وأوكرانيا وحجم الدولة ومستقبل الاتحاد الأوروبي، وبعض هذه الخلافات لا يزال عميقاً بما يكفي لمنع بناء جبهة واحدة متماسكة. لكن اليمين الأوروبي يلتقي في ملفات أخرى تستطيع أن تغيّر طبيعة النقاش الأوروبي، من الهجرة والسيادة والحدود إلى الأمن والهوية والعلاقة بين القرار الوطني والقرار الأوروبي. فإذا نجحت القوى اليمينية في تحويل تبايناتها إلى تعاون وظيفي، فقد لا تحتاج إلى إنشاء «أممية يمينية» حتى تحقق أهدافاً مشتركة. يكفي أن تحدد أين تختلف، وأين تتقاطع، وأين تستطيع أن تتحرك معاً. الخطر لا يبدأ عندما يصبح اليمين الأوروبي كتلة واحدة، بل عندما يصبح قادراً على تنسيق مواقفه في الملفات التي تسمح له بإعادة ترتيب الأجندة داخل المنظومة الأوروبية والتأثير في مراكز القرار. سبق أن عاشت أوروبا هذا المشهد. الجديد إذاً ليس أن اليمين عاد، بل أنه أصبح قادراً على استخدام النظام نفسه لإعادة تشكيله. صعود اليمين المتطرف ليس جديداً، وكذلك ليست جديدة المخاوف من أن تتحول موجة انتخابية إلى تحول سياسي واسع. لكن الاستناد إلى الماضي لطمأنة الحاضر قد لا يكون كافياً هذه المرة. فاليمين القومي الأوروبي لم يعد يتحرك بالطريقة نفسها التي تحرك بها في مراحل سابقة. تعلم من تجاربه، واكتسب خبرة أوسع في المنافسة الانتخابية، وعزز قدرته على التأثير في خطاب خصومه، وبات أكثر استعداداً لاختبار أفكاره من داخل مواقع الحكم لا من هامش النظام. وهنا تتغير طبيعة الامتحان الأوروبي. فالمسألة لم تعد في قدرة اليمين على الوصول إلى السلطة فقط، وإنما في قدرته على تحويل حضوره السياسي إلى تغيير في قواعد النقاش واتجاهاته. لذلك، لا يكفي أن تواجهه أوروبا بوصفه ظاهرة متطرفة أو أن تعزله سياسياً. فالقضايا التي يستثمرها ــ الهجرة، والأمن، والحدود، والسيادة، والهوية ــ لم تختفِ، والناخب الذي يجد فيها مخاوف حقيقية لن يتخلى عنها لمجرد أن الأحزاب التقليدية ترفض خطاب اليمين. مواجهة اليمين تبدأ من استعادة القدرة على إدارة هذه القضايا، لا من الاكتفاء بإدانة من يستثمرها. الجديد إذاً ليس أن اليمين عاد، بل أنه أصبح قادراً على استخدام النظام نفسه لإعادة تشكيله. لا يلخّص لنا المشهد في ساكسونيا-أنهالت إلى أين ستذهب أوروبا، لكنه يخبرنا أن قواعد اللعبة تغيرت. اليمين لم يعد قوة تصعد من خارج المؤسسات للاحتجاج على النظام؛ بل أصبح جزءاً من المعادلة التي يتعين على أوروبا أن تتعامل معها، وهنا يكمن الامتحان الحقيقي. جدار أوروبا لم يسقط، لكن الامتحان ازداد صعوبة. لم يعد السؤال فقط ما إذا كان اليمين سيتمكن من عبور الجدار، بل ما إذا كانت أوروبا قادرة على حماية مشروعها من خلال إصلاحه واستعادة الثقة به.

المصدر