
تلفزيون سوريا: السبت, 12 أيلول 2026 الساعة 7 صباحاً
يتذكر أبناء جيلي من السوريين مرحلة ما قبل وجود الهواتف الأرضية، حين كان الزائر يلصق ورقة على الباب بعد أن يقرع باب بيت غاب أصحابه: "حضرنا في الساعة الرابعة ولم نجدكم". ثم حين وصلت إلى سوريا خدمة الرسائل الصوتية في الهواتف الأرضية، قبل وجود الهواتف المحمولة بسنوات، كان جيل الستينيات والخمسينيات وما قبلهما يستخدم اللغة الفصحى في تلك الرسائل، كنت أسمع رسالة من أحد أقاربي أو من أحد أصدقاء عائلتي بالفصحي الكاملة " اتصلنا بكم في تمام الساعة الثانية عشرة وخمس دقائق ولم يرد علينا أحد كنا نريد الاطمئنان عليكم، عاودوا الاتصال بنا." كانت هذه المفردات ذات الرطانة المعروفة لنا، نحن السوريين، تستخدم في كل مكان أو كل مناسبة خارج الحديث اليومي بين البشر، حتى الحديث اليومي ذاك كانت تتخلل عاميته بعض المفردات الفصيحة، ومن هنا ربما اكتسب السوريون سمعة الاعتناء باللغة الفصحى وتفوقهم على أقرانهم من العرب بها.
وفي الحقيقة فإن اللغة العربية الفصحى كانت قد شكلت وجدان أجيال عديدة من السوريين، ربما لارتباطها بالفكر القومي العروبي الذي تأسست تلك الأجيال عليه، ليس فقط مع مرحلة حكم حزب البعث بل ربما بدأت مع مرحلة الجمهورية العربية المتحدة بين مصر وسوريا، ومع ما احتله الزعيم جمال عبد الناصر، العروبي القومي حد الشوفينية، من مكانة في قلوب السوريين. لكن السوريين بالغوا، مع حكم حزب البعث واستلام حافظ الأسد للسلطة، في عملية التعريب، حتى إن التعريب شمل كل المصطلحات الطبية في كلية الطب في جامعة دمشق ولا يمكن لغير السوريين فهمها، (حين أقول لاختصاصي الهضم في مصر إن "عملية الاستقلاب" عندي سيئة يطلب مني تفسيرا لهذا الكلام وكأنه يسمعه لأول مرة). أيضا فإن مجمع اللغة العربية في دمشق قد عرب كثيرا من المفردات ذات الأصل الغربي والتي لم يكن لها مقابل عربي كونها أسماء لاختراعات تمت في بلاد الغرب؛ مصطلحات لا يمكن أن تستخدم حتى في الإطار الرسمي (يتذكر السوريون الجملة الشهيرة: الشاطر والمشطور والكامخ بينهما، التي أقرها مجمع اللغة العربية كترجمة لمفردة سندويتش). هذا الانحياز الكامل للغة العربية الفصحى جعل من سوريي ذلك الوقت أشخاصا صارمين، لا يميلون كثيرا للمزاح ولا تحضر النكتة في يومياتهم، ويأخذون الأمور بجدية أكثر مما تحتمل، ويتعاملون مع اللغة بوصفها موروثا مقدسا لا يمكن المساس به. هل هذا يفسر سبب عدم اهتمام السوريين بالشعر المحكي بالقياس إلى جيرانهم من اللبنانيين والعراقيين؟ وهل يفسر هذا أيضا لماذا لم يكن هناك أغنية سورية يمكن الحديث عنها كظاهرة فنية واضحة الملامح أسوة أيضا بلبنان والعراق؟
ثورة الربيع العربي ووسائل التواصل الاجتماعي عززت لدى الشباب السوري نزعة الاعتزاز بالعاميات السورية المختلفة، صار طبيعيا أن نقرأ تدوينات باللهجة الشامية والحلبية والجزراوية ولهجة الجنوب ولهجة الساحل ولهجة الشرق.
بدأ الأمر يتغير قليلا مع بدايات الألفية الثانية، بعد خصخصة التعليم وبدء بعض المدارس والجامعات الخاصة تعليم اللغات الإنكليزية والفرنسية كجزء أساسي من المنهاج، ثم مع السماح بدخول الإنترنت إلى سوريا وفك الحظر عن وسائل التواصل الاجتماعي بعد 2011. بدأت اللغة العربية الفصحى تتراجع لصالح العامية ولصالح اللغة الإنكليزية التي تم بها استبدال كثير من المفردات العربية في الكتابة على وسائل التواصل الاجتماعي أو في الحديث اليومي بين الناس خصوصا من كانوا في سن الشباب ذلك الوقت، والحقيقة أن هذه الظاهرة كانت تشمل معظم متصفحي وسائل التواصل في العالم العربي، لكنها كانت أكثر وضوحا لدى السوريين بسبب تاريخهم العريق مع اللغة العربية الفصحى. ثورة الربيع العربي ووسائل التواصل الاجتماعي عززت لدى الشباب السوري نزعة الاعتزاز بالعاميات السورية المختلفة، صار طبيعيا أن نقرأ تدوينات باللهجة الشامية والحلبية والجزراوية ولهجة الجنوب ولهجة الساحل ولهجة الشرق. حتى إن هذه اللهجات شاركت في الحرب السورية، حيث استبدل كثيرون حرف (القاف) ب ( الئاف) لأن حرف القاف كان يميز اللهجة العلوية حسب ظن بعض الموتورين، (أهل السويداء يلفظون القاف وأهل إدلب وجسر الشغور ومعظم الريف السوري ) فكان التخلي عنها لصالح الئاف في وسائل التواصل هو جزء من الكراهية المتبادلة التي دخل السوريون دائرتها منذ 2011 وحتى اللحظة.
السؤال الآن هو: هل تراجعت اللغة العربية الفصحى فى سوريا خصوصا وفي العالم العربي عموما لصالح اللهجات المحلية والعامية ولصالح اللغة الإنكليزية؟ في الحقيقة إن اللغة العربية قد تغيرت كثيرا ودخلتها مفردات جديدة مرتبطة بالمنجز الصناعي الغربي الذي نستهلكه يوميا كعرب، فمثلا من النادر أن يلفظ أي عربي كلمة (حاسوب) بدلا من كومبيوتر، أو (الرائي) بدلا من التلفزيون، أو المذياع بدلا من الراديو.. الخ، حتى في الكتابة باتت المفردات المعربة نادرا ما تستخدم، هذا تطويع مفيد للغة العربية وكسر لقدسية يجب أن لا تملكها أية لغة في العالم، فالمقدس ثابت واللغة الثابتة سوف تنقرض وتموت بعد حين، اللغة المتغيرة والمرنة لغة حية ومستدامة، وهذا التغير لا يعني تراجعا في اللغة العربية الفصحى بل يعني تحريرا للفظ وللكتابة العربية من هيمنة الفصحى واحتكارها ورطانتها لصالح لغة أكثر سيولة وطراوة وأكثر قربا من عالم ما بعد الحداثة الذي نستهلكه يوميا ويحتاج منا إلى لفظ وكتابة تشبهه، إلى لغة تشبهه، فمن غير المعقول أن نستهلك كل منجز ما بعد الحداثة التكنولوجي وعالم الافتراض شديد الاتساع بمفردات لغوية تعود إلى آلاف السنين، إلى زمن مغاير وبيئة مغايرة وأدوات يومية مغايرة؟ حروب اليوم مثلا تحدث عبر مسيرات توجه عبر التحكم الآلي، هل ينفع معها لغة السيف والترس والناقة والخيل والبيداء؟
ثمة من يروج أن وسائل التواصل قد بدأت تقضي على اللغة العربية، وفي الحقيقة هذا كلام فيه كثر من المبالغة ، إذ ما زال كثر جدا يكتبون باللغة العربية الفصحى لكن بالمُخففة من الرطانة.
ثمة من يروج أن وسائل التواصل قد بدأت تقضي على اللغة العربية، وفي الحقيقة هذا كلام فيه كثير من المبالغة ، إذ ما زال كثر جدا يكتبون باللغة العربية الفصحى لكن بالمُخففة من الرطانة، نحن نقرأ الأخبار بالفصحى ونقرأ ترجمات مقاطع الريلز المولدة بالذكاء الصناعي بالفصحى، ونسمع الأدب الصوتي بالفصحى، نحن نكتب تدويناتنا الأدبية والشخصية وآراءنا السياسية بالفصحى، نقرأ البيانات بالفصحى، نسمع تعليقات صوتية بالفصحى، نفعل كل ذلك أيضا بالعامية أحيانا، ولكن هل وسائل التواصل هي من خلقت العامية؟ بالتأكيد لا فالعامية كانت موجودة ولكن وجودها كان في مجال مختلف عن مجال وجود الفصحى، وسائل التواصل دمجت المجالين معا ومنحت للعامية منبرا واسعا ومرئيا كان ممنوعا عليها لصالح هيمنة الفصحى التي لم تختفِ ولم تتراجع لكنها صارت أقل سطوة وأكثر مرونة.
في مقابلة قديمة له قال الشاعر اللبناني الراحل عصام العبد الله دفاعا عن القصيدة المحكية التي يكتبها: ؛ القصيدة المكتوبة باللغة العربية الفصحى تشبه ملكة متوجة أينما وجدت لا يتغير مقامها، بينما القصيدة المحكية تشبه امرأة عادية ترتدي ثوبا يوميا وتدخل قصرا وتتصرف كالملكات" في ظني أن هذا الفرق بين القصيدة المحكية والقصيدة الفصحى قد التغى في اللغة مع وسائل التواصل، فالفصحى والعامية كلتاهما اليوم وسيلتا تعبير ووسيلتا تلقٍ تم هدم الجدار الذي كان بينهما لصالح إنتاج سوق لغوية متنوعة بين اللهجات المحلية العربية الدارجة والمحكية وبين الفصحى التي تستعيد شبابها مع وسائل التواصل الاجتماعي وعالم ما بعد الحداثة الغربي.
المصدر