
تلفزيون سوريا: السبت, 12 أيلول 2026 الساعة 12 مساءً
في صباحات الثورة والحرب السورية الطويلة، لم يكن أحمد الشرع وبريت ماكغورك يعرفان بعضهما شخصياً، لكن كلاً منهما كان حاضراً بقوة في قصة الآخر.
لم يلتقيا حول طاولة واحدة، ولم تجمعهما قاعة مفاوضات، ولم يتبادلا المصافحات أمام عدسات الكاميرات، كانت العراق وبعده سوريا وحدها هي نقطة التقاطع.
في جهة من المشهد، كان الشرع يخوض واحدة من أكثر التحولات السياسية والعسكرية تعقيداً في التاريخ السوري الحديث، وفي الجهة المقابلة، كان ماكغورك يصعد داخل المؤسسة الأميركية باعتباره واحداً من أكثر رجال واشنطن نفوذاً في ملفات العراق وسوريا ومحاربة تنظيم الدولة.
لم يكن الرجلان خصمين مباشرين بالمعنى التقليدي، لكنهما كانا جزءاً من معسكرين مختلفين ينظر كل منهما إلى مستقبل سوريا بطريقة ومن نافذة مختلفة تماماً عن الآخر.
واليوم، بعد سنوات من الحروب والانقسامات والتحولات، يجلس الرجلان على منصة واحدة في نيويورك، هناك، سيعرض الرئيس السوري أحمد الشرع رؤيته لمستقبل سوريا وأولويات حكومته في إعادة الإعمار والانتعاش الاقتصادي والإصلاح المؤسسي خلال اجتماعات المجلس الأطلسي في 22 أيلول/سبتمبر 2026.
أما الرجل الذي سيدير الحوار، فسيكون بريت ماكغورك، مشهد كان يبدو مستحيلاً قبل سنوات قليلة، لرجلين خرجا من الزمن نفسه، لكن من مسارين معاديين.
من بغداد إلى دمشق
حين دخل بريت ماكغورك إلى العراق بعد الغزو الأميركي عام 2003، كان يمثل جيلاً كاملاً من صناع القرار الأميركيين الذين آمنوا بإعادة تشكيل الشرق الأوسط من بوابة القوة الأميركية.
تنقل بين بغداد وواشنطن، وعمل مع رؤساء جمهوريين وديمقراطيين، وشارك في ملفات رسمت ملامح العراق الجديد بعد سقوط نظام صدام حسين.
اقرأ أيضاً
"النواب الأميركي" يطالب بإقالة منسّق الشرق الأوسط بريت ماكغورك.. ما الأسباب؟
غير أن الرجل عاد بعد سنوات قليلة إلى قلب القرار الأميركي مع إدارة جو بايدن.
وفي المقابل، واصل الشرع صعوده بخطوات متسارعة، حتى أصبح رئيساً لسوريا الجديدة، وخلال فترة قصيرة نسبياً، سقطت كثير من المسلمات التي حكمت المشهد السوري لعقد كامل.
خصوم الأمس جلسوا إلى الطاولات نفسها، قوى بدت راسخة تراجعت أو تبدل، مشاريع ظُن أنها ستدوم طويلاً انتهت أو أعيد تشكيلها.
المشهد الأخير
في أيلول/سبتمبر 2025، توقفت وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي طويلاً أمام صورة الرئيس السوري أحمد الشرع وهو يجلس في نيويورك إلى جانب ديفيد بتريوس، المدير السابق لوكالة الاستخبارات المركزية الأميركية، لم تكن الصورة عادية.
فالرجل الذي خاضت واشنطن ضده حرباً طويلة، ووُضعت مكافآت مالية مقابل معلومات تقود إليه، كان يسمع من رئيس سابق للـ"سي آي إيه" عبارة: "السلام عليكم سيدي الرئيس".
يومها كتب كثيرون أن سوريا انتقلت من "ميدان الحرب إلى ميدان الحوار".
لكن بعد عام واحد فقط، يبدو أن المشهد السوري قرر الذهاب أبعد من ذلك، ففي نيويورك أيضاً، سيجلس الشرع هذه المرة أمام بريت ماكغورك.
ليس أمام مسؤول أميركي عابر في الملف السوري، بل أمام واحد من أكثر الرجال تأثيراً في رسم تفاصيله خلال العقد الماضي.
الرجل الذي ارتبط اسمه بالتحالف الدولي، وبقوات سوريا الديمقراطية، وبالنقاشات الأميركية حول مستقبل شمال شرقي سوريا، وبخلافات حادة مع تركيا، وبواحدة من أكثر المقاربات الأميركية إثارة للجدل في المنطقة.
أما الشرع، فسيجلس بصفته رئيساً لسوريا.
ولعل المفارقة الأكبر أن أياً من الرجلين لم يهزم الآخر بالمعنى التقليدي، بل إن سوريا نفسها هي التي تغيرت.
ولهذا قد لا تكون أهم أسئلة الجلسة تلك المتعلقة بإعادة الإعمار أو الاقتصاد أو الإصلاح المؤسسي.
بل ذلك السؤال غير المعلن الذي سيبقى معلقاً فوق المشهد كله:
كيف انتهى المطاف برجلين أمضيا سنوات على طرفي الحكاية السورية إلى الجلوس على منصة واحدة للحديث عن مستقبلها؟
ففي العالم وليس الشرق الأوسط فقط، كثيراً ما تبدأ الحكايات بالعداء، أما السياسة، فليست سوى فن تحويل الخصوم إلى محاورين، وتحويل المستحيل إلى خبر عادي في صباح اليوم التالي.
اقرأ أيضاً
المصدر