ألم يحن الوقت لنسأل أسئلة التعليم الصعبة؟



تلفزيون سوريا: السبت, 12 أيلول 2026 الساعة 11 صباحاً

مضى ما يقارب عامان دراسيان منذ التحرير، تركزت أولويات وزارة التربية فيهما على اتخاذ الإجراءات الأساسية الرامية إلى تشغيل النظام التعليمي؛ والتي شملت فعل ما يمكن فعله لضمان عدم انقطاع العملية التعليمية في عموم المدارس. واستعادة السيطرة عليها عبر اتخاذ قرارات لتوحيد النظام التعليمي، سواء في الجوانب الإدارية العملياتية أو على مستوى سيادة الوزارة في المناهج والامتحانات. بالإضافة إلى تحسين شرعية الإنجاز وتقديم الخدمات، من خلال حشد الموارد الحكومية والمساعدات الدولية لتحسين واقع البنية التحتية ودفع رواتب المعلمين. وهذه كلها بلا شك قد تكون أبرز المخاوف التي كانت تهدد استقرار نظام التعليم بعد التحرير، والتي بذل في إدارتها المستطاع. لكن اليوم، مع تجاوز قطاع التعليم عنق الزجاجة، وانطلاق عام دراسي جديد، صار الوقت مناسباً للتفكير في الأسئلة العميقة والجوانب الخلافية حول النظام التعليمي السوري، إلا أن مسؤولية التفكير والنقاش لا تقع هنا على كاهل الوزارة المنهمكة في التنفيذ والإدارة اليومية للمدارس، وحدها. بل إنها مسؤولية موزعة على عاتق كل أصحاب المصلحة من ممارسين تربويين وبرلمانيين ومراكز التفكير والأبحاث والتيارات السياسية والفكرية في البلاد، التي من واجبها أن تضع على طاولة النقاش الأسئلة الاستراتيجية الأعمق، وتراقب وتتابع مع الوزارات المتعاقبة تصوراتها عن الحل. من الواضح أن النقاشات داخل المنظومة التعليمية والتي تشمل الوزارة والمانحين وشركاء التنفيذ الآخرين، لم تميز بما يكفي بين أربع مراحل للتدخل بعد الأزمات: والتي تبدأ بتعافي القطاع المركز على استعادة تقديم الخدمة، وهو في الغالب الأقرب إلى وصف أداء القطاع اليوم. ثم مرحلة إعادة بناء القدرات والمؤسسات والمنشآت التي تعطلت ودمرت، وهو ما تعد به الوزارة بشكل مستمر بما يفوق إنجازها فيه على أرض الواقع. ثم الإصلاح المؤسسي الذي يقوم على تعديل أبرز جوانب القصور البنيوي في عمل المنظومة القائمة، وهو ما يتجاوز النجاح في تنفيذ نفس الوظائف، ليركز على تحدي دور الوظائف نفسها وطريقة تنفيذها المعتادة، والتي يثير نقاشها بهذه الطريقة - في بعض الأحيان- استياء لدى القيمين على المنظومة، لأن لغة النقاش -بالضرورة- تبدو في ظاهرها أنها تقلل من شأن نجاح التنفيذ وأهمية الإنجازات، كأن تنقد إجراءات النموذج الامتحاني الوطني المعقد والضخم الذي تقوده الوزارة بنجاح، أو تنقد معايير المناهج الوطنية الموحدة التي جهدت الوزارة لتطويرها و تحديثها، إلا أن النقد هذا لا بد منه كخطوة ضرورية لتوجيه بوصلة التطوير اللاحق. وأخيراً، تأتي مرحلة التحويل المؤسسي التي تركز على تغييرات جوهرية تمس الجوانب التأسيسية للنظام التعليمي وتوزيع السلطة والموارد والاتفاق على الغايات، وهو ما لم يفتح بشكل جدي للآن لا على مستوى رسمي ولا مدني. يجب أن تترافق عملية استعادة النظام وإعادة الإعمار منذ اليوم مع خطط واستراتيجية ووعي كافٍ لربط مساراتها بالإصلاح والتحويل المؤسسي التالي، وإلا سيصعب في وقت لاحق تحدي استقرار المنظومة التي بنيت على أنقاض ورواسب النظام التعليمي السابق عملياً، يعيش القطاع التعليمي اليوم سياسة اختيارية واعية تركز على "الاستعادة أولاً"، أي أن الأولوية منصبة على استعادة النظام التعليمي السابق وإعادة إعماره وليس إعادة تصميمه، وذلك له مبررات تتعلق بنقص التمويل، وتضرر البنية التحتية، وفقدان البيانات، ونقص المعلمين الأكفياء، وضعف الإدارة واضطراب السلطة التعليمية من جهة. ومن جهة أخرى، للاستفادة من القوانين والذاكرة المؤسسية السابقة. وبالتالي، فإن صانع السياسة يرى أن استمرار الخدمة أهم من التحديث المؤسسي. غير أن الخطورة تقع فيما قد يتسرب مع عمليات الاستعادة التي لا تحدث بصورة انتقائية أو نظيفة؛ فالنظام التعليمي السابق يتحول تلقائياً إلى المعيار لقياس وتقييم الإنجاز الحالي، غير أنه يجب أن ننتبه هنا أن ذلك النظام كان مسؤولاً عن هشاشة التعليم في سورية لعقود، بما في ذلك من ضعف جودة التعليم وعدم المساواة، والتهميش الجغرافي والتمييز اللغوي والمركزية المفرطة وإنتاج سرديات إقصائية وعدم الثقة بالدولة. بناء عليه، يجب أن تترافق عملية استعادة النظام وإعادة الإعمار منذ اليوم مع خطط واستراتيجية ووعي كافٍ لربط مساراتها بالإصلاح والتحويل المؤسسي التالي، وإلا سيصعب في وقت لاحق تحدي استقرار المنظومة التي بنيت على أنقاض ورواسب النظام التعليمي السابق. بمعنى آخر، لا ينبغي إنفاق موارد وجهود إعادة الإعمار على استعادة المؤسسات التي ثبت قصورها، بل يجب الاستثمار في فرصة ولحظة البناء الحالية لتجاوز النظام السابق برمته، وبذلك نكون نعالج أسباب النزاع والهشاشة والفشل، ولا نعيد إنتاجها. فضلاً عن هذا، فإن انتصار الثورة والتغيير السياسي الكبير في البلاد يستلزم تغييرات سياسية في التعليم أيضاً، تمس قضايا سياسية مثل مشاركة أصحاب المصلحة، وتمثيل الطلاب والمجتمعات المحلية، ومعالجة المركزية الإقصائية في المناهج والتسييس المبطن فيها، وإعادة تصور هوية المتعلم وموقع المعلم، وتطوير آليات أكثر عدالة لتوزيع الموارد ووضع معايير أكثر فاعلية لتحسين آليات اتخاذ القرار. عملياً في هذه المرحلة يجب أن ننتقل من مرحلة الحديث عن عدد المدارس التي قمنا ترميمها، ونسبة نجاح الطلاب الملتحقين بالامتحانات الوطنية، وأعداد المعلمين المفصولين الذين أعدناهم إلى سجلات الرواتب، إلى ما هو أبعد من ذلك لنتحد عن النظام الاجتماعي والسياسي والاقتصادي الذي تعيد المنظومة التعليمية إنتاجه. على كل حال، النقاش لا ينحصر في خيارات إما استعادة النظام أو تحويله، بل يجب أن يعالج ضمن مراحل متسلسلة متداخلة، ولكنها متماسكة، أي أنها جميعاً تقع ضمن رؤية وتصور استراتيجي متكامل، يقوم بالاختيارات السياساتية باكراً، ويرتب التدخلات زمنياً بحسب الضرورة، والقدرة المؤسسية، مع الاحتفاظ بقدرتها على التكيف أثناء العمل. أخيراً، فإن ما أود طرحه ببساطة، أن كلفة التعافي التلقائي أو المتسرع في النظام التعليمي قد تكون باهظة جداً في المستقبل، بل قد تكون أكبر عائق مستقبلي، إذا لم يحجم ويخصص له مكانه الصحيح في مسيرة إصلاحية تحويلية شاملة. وأن التشغيل هو مسؤولية الجهاز التنفيذي في المنظومة التعليمية التي تقودها الوزارة، ولكن واجب التفكير وتوسيع الخيارات والتنبيه إلى الإشكاليات الجوهرية هو مسؤولية المنظومة كلها بما فيها من منظمات ومؤسسات، ومن فيها من باحثين، ومفكرين، ومنظرين، وممارسين. وكل عام دراسي وأنتم بخير.

المصدر